يعد “أملو” من أبرز الأطباق التقليدية التي تحافظ على حضورها القوي في المطبخ السوسي، خاصة خلال شهر رمضان، حيث يتصدر مائدة الإفطار لدى كثير من الأسر بجهة سوس ماسة، باعتباره غذاء يجمع بين القيمة الغذائية العالية والرمزية الثقافية المتجذرة في عادات المنطقة.
ويتميز هذا المنتوج التقليدي ببساطة مكوناته، إذ يحضر أساسا من اللوز المحمص والمطحون، وزيت الأركان الغذائي، والعسل الطبيعي، وهي مكونات تمنحه مذاقا خاصا وتجعله من الأغذية الغنية بالطاقة، ما يفسر مكانته المميزة خلال الشهر الفضيل.
ولا ينظر إلى “أملو” فقط كوجبة لذيذة يتناولها الصائمون بعد ساعات الصيام، بل يعتبر أيضا رمزا من رموز الكرم والضيافة لدى أهل سوس، حيث يحضر بقوة في اللقاءات العائلية والسهرات الرمضانية، ويقدم للضيوف مرفوقا بالخبز البلدي أو المسمن أو البغرير، في مشهد يعكس عمق ارتباطه بالثقافة المحلية.
وفي هذا السياق، أوضحت رئيسة التعاونية النسوية “المزارع الخضراء”، خديجة أوبلا، أن إعداد “أملو” يتم وفق طريقة تقليدية متوارثة، تبدأ بانتقاء اللوز وتنقيته بعناية، قبل تحميصه على نار هادئة إلى أن يكتسب لونا ذهبيا ونكهة مميزة، ثم يطحن حتى يتحول إلى عجينة ناعمة، تضاف إليها كميات مدروسة من زيت الأركان والعسل الطبيعي للحصول على خليط متجانس وغني من حيث الطعم والفوائد.
وأضافت أن هذا الطبق يشتهر بقيمته الغذائية، نظرا لما يوفره اللوز من بروتينات وفيتامينات ودهون صحية، إلى جانب الخصائص المفيدة لزيت الأركان، المعروف باحتوائه على مضادات الأكسدة، فضلا عن العسل الذي يشكل مصدرا مهما للطاقة، وهو ما يجعل “أملو” من الأغذية التي تساعد على استعادة النشاط بعد الصيام.
وخلال رمضان، يحظى هذا الطبق بمكانة خاصة لدى الصغار والكبار، ليس فقط بسبب مذاقه المحبب، ولكن أيضا لكونه جزءا من الطقوس الغذائية المرتبطة بالمنطقة. كما لم يعد حضوره مقتصرا على البيوت، بل أصبح منتوجا محليا يساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتعريف بالموروث الغذائي السوسي داخل المغرب وخارجه.
ويمتد استعمال “أملو” إلى أكثر من طريقة تقديم، إذ يمكن تناوله مع الخبز، أو استعماله كحشوة لبعض الحلويات التقليدية، كما يقدم في جلسات الشاي والسهرات الرمضانية باعتباره من مظاهر الحفاوة بالضيف. وفي هذا الجانب، يعكس “أملو” روح الضيافة التي تميز الثقافة السوسية، كما يجسد ارتباط المطبخ المحلي بمنتجات طبيعية أصيلة، في مقدمتها زيت الأركان.
وتشير روايات متداولة بالمنطقة إلى أن “أملو” يعود إلى قرون طويلة، حين كان غذاء أساسيا لدى الفلاحين والرعاة بفضل قدرته على توفير الطاقة وسهولة الاحتفاظ به لفترات طويلة. وقد ساعد توفر مكوناته الطبيعية داخل البيئة المحلية، خاصة زيت الأركان، على ترسيخ حضوره في الذاكرة الجماعية لسكان الجنوب المغربي.
ومع مرور الزمن، تحول “أملو” من طبق تقليدي منزلي إلى منتوج معروف على نطاق واسع، يحتفظ بأصالته ويواكب في الآن نفسه الاهتمام المتزايد بالمنتجات المحلية ذات القيمة الغذائية والثقافية. ومع حلول رمضان من كل سنة، يتجدد حضوره باعتباره جزءا من هوية سوس الغذائية، وعنصرا يعكس غنى التراث الأمازيغي وخصوصية المطبخ المغربي.












