كرمت أكاديمية المملكة المغربية، اليوم الأربعاء بالرباط، روح الفقيد عبد الرحمن شرفي، مستحضرة ذاكرة مهندس معماري متبصر، ومخطط حضري ملتزم، ومرب شغوف، كرس حياته للدفاع عن التراث الوطني ونقل المعرفة.
وأبرز أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، عبد الجليل لحجمري، أن الراحل، الذي عاش ما بين سنتي 1948 و2026، ترك إرثا غنيا تميز بتشبثه بالثقافة والذاكرة الجماعية وصون الهوية المعمارية للمملكة.
وأوضح لحجمري أن الفقيد كان من طينة البناة الذين لم يقتصر دورهم على تصميم المباني، بل ساهموا في تشكيل رؤية حول المجتمع وتحولاته، معتبرا أنه استطاع، بفضل مقاربته القائمة على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، أن يحمل رؤية للهندسة المعمارية المغربية تحترم تاريخها وتتطلع نحو المستقبل.
وأضاف أن الراحل كرس حياته للتفكير في الفضاء المغربي في توازن بين الإرث العريق والحداثة، مؤكدا أن تأملاته حول البعد الاجتماعي للتراث وإدماج الهوية المغربية في البناء المعاصر ستظل مرجعا للأجيال الحالية والمستقبلية من المهندسين المعماريين والمخططين الحضريين.
من جهته، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، أن الفقيد عبد الرحمن شرفي لم يبرز فقط في مجالات التدريس ونقل المعرفة المعمارية، بل تميز أيضا بإسهاماته القيمة في بلورة السياسات العمومية في مجال التعمير.
وأضاف بنسعيد، في كلمة تلاها نيابة عنه مدير التراث الثقافي بالوزارة، مصطفى جلوق، أن الراحل نجح، من خلال مهامه ولا سيما كمدير عام للتعمير، في إدراج رسالته كمهندس ومخطط حضري ضمن رؤية تقدمية تخدم تنمية المملكة وإشعاعها كمركز حضاري.
واعتبر الوزير أن أعمال الفقيد تظل مصدرا ملهما، لأنها تجسد تصورا لتهيئة الفضاء يرتبط بالقيم والتطلعات الجماعية، مشيرا إلى أن مساره يؤكد إمكانية التوفيق بين التحديث وصون التراث، دون التضحية بالتاريخ أو بالمرتكزات الثقافية التي تشكل هوية المغرب.
من جانبه، أشاد وزير السكنى والتعمير وسياسة المدينة الأسبق، محمد نبيل بنعبد الله، بخصال الراحل، واصفا إياه بأنه رجل مفعم بالقيم والمبادئ، ومبرزا أنه أدخل مفهوم “الروح” كعنصر جوهري في الفكر المعماري والحضري.
وأوضح بنعبد الله أن العمل المعماري، في نظر الراحل، يظل ناقصا إذا خلا من الروح، إذ كان يؤمن بأن الهندسة والتعمير وإعداد التراب ينبغي أن تحمل معنى وذاكرة ورؤية في خدمة المجتمع.
بدورها، سلطت مديرة التعمير بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بدرية بنجلون، الضوء على ما كان يتميز به الراحل من تواضع ورصانة وأناقة فكرية وحرص شديد على الإتقان.
واعتبرت أن شرفي ينتمي إلى جيل من البناة الذين لم يبحثوا عن البهرجة أو السبل السهلة، بل تقدموا بثبات، مستندين إلى الذاكرة والعمق، ومسترشدين بقيمة العمل وقوة المؤسسات وأهمية نقل المعرفة وواجب خدمة المصلحة العامة.
من جهته، وصف رئيس المجلس الوطني لهيئة المهندسين المعماريين بالمغرب، شكيب بنعبد الله، الفقيد بأنه “بناء حقيقي للعقول”، مذكرا بأن مساره كان مسار رجل اختار أن يطبع عصره بشكل مستدام، ليس فقط من خلال إنجازاته، بل أيضا عبر التزامه بنقل المعرفة وحماية التراث الوطني.
وأكد أن الراحل نذر حياته للبحث العلمي، وتكوين أجيال من المهندسين المعماريين، وصياغة قراءة عالمة ورصينة للتراث المغربي، مضيفا أنه كان أكثر من مجرد أستاذ، وشكل مؤسسة قائمة الذات ومرجعا فكريا وإنسانيا لعدد من تلامذته وزملائه.
وإلى جانب ندوة خصصت لموضوع “الهندسة المعمارية، الأخلاقيات والاستشراف”، تميز حفل التكريم بعرض شريط وثائقي يستعرض بورتريها للراحل، فضلا عن إلقاء قصيدة شعرية مهداة إلى مدينة الرباط، مسقط رأسه، التي كان يكن لها ارتباطا وجدانيا خاصا.
وسلط الشريط الوثائقي، من خلال شهادات أفراد من عائلته وأقاربه وأصدقائه وزملائه، الضوء على أبرز محطات مسار عبد الرحمن شرفي، وعلى قيم الالتزام والشغف والصرامة التي وجهت خطواته طوال مسيرته المهنية والأكاديمية، كمهندس معماري ومخطط حضري وأستاذ ظل مخلصا لصون التراث الوطني وتثمينه.












