مع بداية كل يوم، يتوجه آلاف العمال إلى المناطق الصناعية بجهة طنجة تطوان الحسيمة بحثا عن مصدر رزقهم، غير أن يوم العمل بالنسبة إلى كثير منهم لا ينتهي بانقضاء ساعات طويلة داخل المصانع، بل يمتد إلى قلق دائم مرتبط بفقدان الوظيفة أو التعرض لإصابة مهنية أو المطالبة بحقوق قد تكون كلفتها، بحسب شهادات عمالية ونقابية، فقدان مصدر الدخل.
ورغم المكانة الاقتصادية المهمة التي تحتلها الجهة باعتبارها من أبرز الأقطاب الصناعية بالمغرب، خاصة في قطاعات السيارات والكابلاج والنسيج، فإن الأرقام المرتبطة بالاستثمار والإنتاج تخفي، وفق عاملين ونقابيين، واقعا مهنيا صعبا يتسم بهشاشة بعض العقود، وتدني الأجور، وضعف شروط السلامة والصحة المهنية، إلى جانب شكاوى من التضييق على العمل النقابي.
وتقول شهادات من داخل عدد من الوحدات الصناعية إن هذه الظروف باتت تدفع بعض العمال، خصوصا الشباب، إلى مغادرة خطوط الإنتاج أو البحث عن بدائل مهنية أكثر استقرارا.
تعكس قصة نعيمة، وهو اسم مستعار لعاملة بأحد مصانع النسيج بالمنطقة الصناعية في تطوان، جزءا من هذه المعاناة.
وتقول نعيمة إنها أمضت أكثر من عشر سنوات في المصنع، لكنها ظلت، بحسب روايتها، تعمل بعقد مؤقت يجدد كل ستة أشهر، فيما بقي أجرها في حدود 2500 درهم دون زيادات تذكر.
وبعد إصابتها بمشكلة صحية في يدها اليمنى استدعت إجراء عملية جراحية، حصلت العاملة على ترخيص من إدارة المصنع للاستفادة من العلاج في إطار التغطية الصحية.
غير أنها تقول إن مغادرتها من أجل العلاج كانت بداية أزمة مهنية جديدة، بعدما توقف صرف أجرها، وأبلغها أحد المشرفين بالتوقف عن العمل إلى حين استدعائها مجددا.
وبعد ثلاثة أشهر، تلقت اتصالا يدعوها إلى العودة إلى المصنع، لكن بعقد جديد يحمل، وفق شهادتها، الشروط والأجر نفسيهما، دون احتساب سنوات الأقدمية التي راكمتها.
وترى نعيمة أن ما تعرضت له لا يشكل حالة معزولة، مؤكدة أن عددا من زملائها مروا بتجارب مماثلة، حيث يمكن أن يؤدي المرض أو التوقف المؤقت عن العمل إلى فقدان الأجر ثم العودة لاحقا بعقد جديد.
من جانبه، قال عادل بنونة، الكاتب الجهوي للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب بجهة طنجة تطوان الحسيمة، إن ظروف العمل في عدد من مصانع الكابلاج تدفع عمالا إلى مغادرة القطاع.
وأوضح، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن بعض الأجراء يشتغلون لساعات طويلة يوميا مقابل أجور قد تكون، بحسب قوله، أقل من الحد الأدنى القانوني، إلى جانب اعتماد صيغ تعاقدية يرى أنها لا توفر الاستقرار المهني المطلوب.
وأشار بنونة إلى أن قطاع الكابلاج، فضلا عن قطاعات صناعية أخرى، يعرف اختلالات مرتبطة بالسلامة والصحة المهنية، في ظل طبيعة العمل المجهدة والحاجة إلى تعزيز المراقبة.
وأضاف أن عددا من العمال قد يصابون بأمراض أو إعاقات مرتبطة بطبيعة العمل، في حين يواجه آخرون صعوبات في الاستفادة من بعض الحقوق المرتبطة بالعطل والتعويضات والتغطية الاجتماعية.
كما تحدث عن تشدد بعض المشغلين في إجراءات إثبات المرض، من خلال مطالبة العمال بشهادات طبية تخضع للتحقق، معتبرا أن تراكم هذه الظروف يفسر عزوف بعض الشباب عن الاستمرار في العمل داخل المصانع.
شكاوى من التضييق النقابي
ولا تتوقف الانتقادات عند الأجور وظروف العمل، إذ تحدث الكاتب الجهوي للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب عن صعوبات تواجه بعض العمال الراغبين في تأسيس مكاتب نقابية والدفاع عن مطالبهم المهنية.
وكشف بنونة أن نحو 11 مكتبا نقابيا تعرض، بحسب معطيات الاتحاد، للطرد الجماعي أو لما وصفه بالطرد التعسفي خلال السنتين الأخيرتين، عقب مباشرة أعضائها أنشطتهم النقابية.
ويرى أن هذه الممارسات تجعل عددا من العمال مترددين في الانخراط في العمل النقابي، خوفا من فقدان وظائفهم أو التعرض لضغوط داخل مؤسساتهم.
وفي ختام حديثه، اعتبر بنونة أن جزءا من سوق الشغل بالمنطقة أصبح محكوما بمنطق يمنح المشغل هامشا واسعا في تحديد شروط العمل، بينما تظل قدرة الأجراء على التفاوض محدودة.
كما دعا إلى تعزيز دور الجهات المختصة في مراقبة احترام قانون الشغل، وتشجيع الحوار الاجتماعي داخل المقاولات، بما يضمن التوازن بين متطلبات الاستثمار والإنتاج من جهة، وحماية الحقوق الأساسية وصون كرامة العمال من جهة أخرى.












