يأتي مشروع قانون المالية لسنة 2027 في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة، تتداخل فيها الضغوط المرتبطة بالتضخم وارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل مع تحديات الحفاظ على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي.
ويزيد من حساسية هذه الظرفية استمرار حالة عدم اليقين التي تطبع الاقتصاد العالمي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واحتدام المنافسة على مصادر الطاقة وتزايد التوجه نحو السياسات الحمائية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها عدد من الدول الأوروبية على خلفية غلاء المعيشة والتضخم تمثل مؤشرا على أهمية عدم الاكتفاء بالحفاظ على التوازنات المالية، وإنما إعطاء الأولوية كذلك للأوضاع الاجتماعية للمواطنين.
وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، عبد الرزاق الهيري، أن مشروع ميزانية 2027 يشكل اختبارا لقدرة الحكومة على الجمع بين حماية الاستقرار الاقتصادي والقدرة الشرائية وصيانة السلم الاجتماعي وإعادة بناء الثقة.
وأوضح أن تحقيق التوازنات الماكرو-اقتصادية يظل ضروريا، لكنه لا يكفي بمفرده لضمان الاستقرار الاجتماعي، خصوصا إذا لم تنعكس المؤشرات الاقتصادية الإيجابية بشكل مباشر على الظروف المعيشية للأسر.
من جانبه، يرى الباحث والأستاذ الجامعي محمد عادل إيشو أن أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية يتمثل في الفجوة بين تطلعات المواطنين والاستجابة الحكومية، معتبرا أن “عجز الثقة” قد يكون أكثر خطورة من العجز المالي.
وأشار إلى أن المواطن يقيس أثر السياسات العمومية من خلال نفقاته اليومية المرتبطة بالغذاء والسكن والنقل والتعليم والصحة، وليس فقط من خلال المؤشرات الاقتصادية الكلية.
ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين زيادة الإنفاق الاجتماعي لتخفيف الضغوط على الأسر، والمحافظة في الوقت نفسه على التوازنات المالية وعدم رفع مستويات العجز والمديونية بشكل مفرط.
ويرى الخبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من تدبير الأزمات بشكل ظرفي إلى سياسات استباقية قادرة على الحد من مسببات الاحتقان الاجتماعي قبل تفاقمها.
كما شددوا على أهمية تعزيز العدالة الضريبية والاجتماعية، وتخفيف الأعباء عن أصحاب الدخول المتوسطة، وتسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية الأساسية، خاصة التعليم والصحة والنقل.
ويظل نجاح ميزانية 2027، وفق هذه القراءات، مرتبطا ليس فقط بضبط المؤشرات المالية، وإنما بمدى قدرة السياسات الحكومية على تحسين المعيش اليومي للمواطنين وتقليص الفوارق وتعزيز الثقة في المؤسسات والسياسات العمومية.












