رغم الخطوات المتسارعة التي اتخذها المغرب خلال السنوات الأخيرة في مجال رقمنة الخدمات العمومية، لا تزال الفجوة الرقمية بين المدن والقرى تطرح إشكالات حقيقية حول مبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى هذه الخدمات، وتعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية في زمن التحول الرقمي.
ففي المدن الكبرى، أضحت العديد من الخدمات الإدارية متاحة عبر منصات إلكترونية، من طلب الوثائق الإدارية إلى حجز المواعيد ودفع الرسوم، ما ساهم في تخفيف الضغط على الإدارات وتقليص زمن الانتظار. غير أن هذا التحول، الذي يُقدَّم باعتباره مكسبًا وطنيًا، لا ينعكس بالقدر نفسه على ساكنة العالم القروي والمناطق الجبلية.
وتواجه فئات واسعة من المواطنين في القرى صعوبات متعددة، على رأسها ضعف التغطية بالإنترنت أو انعدامها في بعض الدواوير، إلى جانب غياب التجهيزات الرقمية وارتفاع نسبة الأمية الرقمية، خاصة في صفوف كبار السن. وهو ما يجعل الرقمنة، بدل أن تكون وسيلة لتقريب الإدارة من المواطن، عاملًا إضافيًا لتعميق الإقصاء الاجتماعي.
ويرى متابعون أن تنزيل الرقمنة دون توفير شروطها الأساسية، من بنية تحتية رقمية وتكوين مستمر ومواكبة ميدانية، يفرغ هذا الورش من أهدافه الاجتماعية، ويحوله إلى امتياز حضري أكثر منه خدمة عمومية شاملة. كما يسجّل هؤلاء أن بعض الإدارات باتت تشترط المساطر الرقمية دون توفير بدائل فعلية للمواطنين غير القادرين على الولوج إليها.
وفي هذا السياق، يطالب فاعلون مدنيون بضرورة اعتماد مقاربة مندمجة للرقمنة، تراعي الخصوصيات المجالية والاجتماعية، عبر تعميم التغطية بالإنترنت عالي الصبيب، وإحداث فضاءات رقمية قروية، وتبسيط المنصات الإلكترونية بما يتلاءم مع مختلف الفئات.
ويبقى رهان الرقمنة مرتبطًا، في جوهره، بمدى قدرتها على تحقيق المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، لا على تعميق الفوارق القائمة. فإدارة رقمية عادلة، بحسب مهتمين، هي تلك التي تصل إلى المواطن حيثما كان، لا تلك التي تكتفي بخدمة من يملك الوسائل والمهارات الرقمية فقط.








