تكشف وثيقة رسمية صادرة عن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة عن صورة متباينة لورش التحول الرقمي بالمغرب، بين مشاريع كبرى واستثمارات ضخمة من جهة، واختلالات مرتبطة بالحكامة والتنسيق وضعف الالتقائية من جهة أخرى.
وتبرز الوثيقة، التي تضم الأجوبة الحكومية على توصيات لجنة مراقبة المالية العامة والحكامة بمجلس النواب، أن التحول الرقمي بالمغرب ما يزال يواجه تحديات بنيوية، خاصة على مستوى التنسيق بين الإدارات، وتوحيد المنصات الرقمية، واستكمال الإطار القانوني والتنظيمي.
وأقرت الحكومة بوجود مجهودات قطاعية متفرقة، معلنة أن استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” تروم توحيد الجهود وتجاوز تشتت المشاريع، من خلال إحداث اللجنة الوطنية للتنمية الرقمية سنة 2023، باعتبارها آلية لتتبع الأوراش وضمان التنسيق بين مختلف المتدخلين.
غير أن الوثيقة تكشف أن عددا من النصوص القانونية والمراسيم المرتبطة بحكامة الرقمنة والتشغيل البيني وتبادل المعطيات ما تزال قيد الإعداد، ما يعكس أن جزءا أساسيا من الإطار التنظيمي للتحول الرقمي لم يكتمل بعد.
ومن أبرز النقاط التي توقفت عندها الوثيقة بوابة “إدارتي”، التي يفترض أن تشكل واجهة موحدة للخدمات الإدارية الرقمية، حيث أقرت الوزارة بوجود إكراهات تقنية وتنظيمية تحد من فعاليتها الكاملة.
وتضم البوابة حاليا أكثر من 600 خدمة رقمية، غير أن نسبة الخدمات المطابقة لقوانين حماية المعطيات الشخصية لا تتجاوز حوالي 50 في المائة، ما دفع الحكومة إلى التحضير لمشروع جديد تحت اسم “IDARATI X.0”، يقوم على ولوج موحد ومحفظة رقمية مرتبطة بالهوية الوطنية السيادية.
كما كشفت الوثيقة عن إعداد إطار قانوني خاص باستعمال الذكاء الاصطناعي داخل الخدمات العمومية، يتضمن تصنيف الأنظمة حسب درجة المخاطر، وإلزام الإدارات بإخبار المرتفقين عند استخدام هذه التقنيات، مع ضمان الرقابة البشرية وعدم التمييز.
وفي مجال البنيات التحتية، أعلنت الحكومة عن إطلاق المرحلة الأولى من شبكات الجيل الخامس في أكثر من 50 مدينة منذ نونبر 2025، بهدف تغطية 75 في المائة من الساكنة في أفق 2030، باستثمارات إجمالية تقدر بنحو 80 مليار درهم إلى غاية 2035.
كما يرتقب ربط 5.6 ملايين أسرة بالألياف البصرية بحلول سنة 2030، إلى جانب استكمال تغطية مناطق قروية إضافية بشبكات الاتصال، بعد تغطية أكثر من 10.660 منطقة قروية في المرحلة الأولى من مخطط الصبيب العالي والعالي جدا.
وتؤكد الوثيقة أن المغرب يسعى إلى بناء “السيادة الرقمية”، من خلال خارطة طريق وطنية للخدمات السحابية للفترة 2025-2030، ومشاريع لتخزين ومعالجة البيانات، من بينها مشروع “إيغودار” بالداخلة، ومشروع “مصنع الذكاء الاصطناعي” بالدار البيضاء، ومركز بيانات بالرباط.
وعلى المستوى الاقتصادي، تراهن الحكومة على ترحيل الخدمات والمقاولات الناشئة الرقمية، حيث تم توقيع 35 مذكرة تفاهم و5 اتفاقيات مع شركات دولية، من المرتقب أن توفر أكثر من 24 ألف منصب شغل مباشر، باستثمارات تقارب 2.96 مليار درهم.
كما خصصت الحكومة 1.3 مليار درهم لدعم المقاولات الناشئة الرقمية، مع مواكبة أكثر من 700 شركة ناشئة، في وقت ارتقى فيه المغرب إلى المرتبة الثالثة إفريقيا والـ83 عالميا في ريادة الأعمال الرقمية سنة 2025.
وفي محور الكفاءات، تكشف الوثيقة عن رفع عدد المسالك الجامعية الرقمية إلى 549 مسلكا، وتكوين أكثر من 22 ألف طالب في التخصصات الرقمية خلال الموسم الجامعي 2024-2025، إلى جانب إطلاق مؤسسات متخصصة في الذكاء الاصطناعي والانتقال الرقمي.
ورغم هذا الزخم، تعترف الوثيقة ضمنيا باستمرار تحديات الفجوة الرقمية، خاصة بين المدن والقرى وبين الفئات الاجتماعية، ما يجعل نجاح ورش الرقمنة رهينا بتقوية الحكامة، وتسريع القوانين، وتوحيد المنصات، وضمان استفادة عادلة من الخدمات الرقمية.












