في الوقت الذي ترتفع فيه شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة وتقريب الإدارة من المواطن، تعيش مدينة جرسيف على وقع فضيحة إنسانية واجتماعية بكل المقاييس؛ تتمثل في الرفض المتكرر لعدد من سيارات الأجرة من الصنف الأول نقل مرضى القصور الكلوي “من المريجة في اتجاه جرسيف ” الحارقين شوقاً لجسد عليل يتلمس أمل الحياة بين حصص التصفية الدموية. معاناة مضاعفة تكسر قواعد الإنسانية، وتضع المهنية والأخلاق المهنية لبعض الناقلين في محك حقيقي أمام ضمير المجتمع.
الوضع المأساوي لم يتوقف عند حدود جشع وجفاء بعض المهنيين، بل امتد ليشمل تعاطي الإدارة المحلية مع شكايات ومعاناة المواطنين. ففي محاولة مهنية واضحة لتنوير الرأي العام ونقل نبض الشارع وفق أدبيات الصحافة المسؤولة التي تستوجب الرأي والرأي الآخر، بادرت “جريدة المجتمع” إلى ربط الاتصال بـ عمالة إقليم جرسيف للاستفسار وحمل هموم المرضى إلى الجهات الوصية.
لكن، ويا للأسف، اصطدم طاقم الجريدة بجدار من الاستهتار الإداري؛ حيث وُجد القسم الاقتصادي بالعمالة “خارج التغطية” ليومين متتاليين. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت المبررات صادمة ومخزية على لسان الموظفة المسؤولة عن استقبال المكالمات، والتي بررت غياب المسؤولين بكون موظفي القسم الاقتصادي “مشاو ياكلو” أو بمعنى آخر “خرجوا بوز”، في استخفاف تام بحرمة المؤسسة العمومية وأهمية الشكايات المرتبطة بصحة وأرواح المواطنين.
ولأن مهنة الصحافة رسالة نبيلة تفرض التثبت وإعطاء الإدارة فرصة كاملة للرد، كررت “جريدة المجتمع” الاتصال بنفس الموظفة للمرة الرابعة، لتكون المفاجأة هي قطع المكالمة في وجه المنبر الإعلامي قبل بدايتها، في سلوك يعكس فهماً مقلوباً للمرفق العمومي وحق المواطن والإعلام في الحصول على المعلومة.
هذا العبث الإداري خلف موجة استياء عارمة وغضباً واسع النطاق في صفوف السيبة المحلية، حيث يتساءل المواطنون بمرارة: ما هو الدور الحقيقي للقسم الاقتصادي بالعمالة إذا عجز عن التفاعل مع نداءات المرضى وشكايات المستضعفين؟ وكيف يتماشى هذا السلوك المستهتر مع التوجيهات الملكية السامية المتكررة التي تجعل من تقريب الإدارة من المواطن، وحسن استقباله وقضاء مصالحه، بوصلة لكل سياسة عمومية ناجحة؟
إن ما يقع بجرسيف اليوم يضع السلطات الإقليمية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية واضحة: فتح تحقيق عاجل في ظاهرة امتناع سيارات الأجرة عن نقل مرضى الفشل الكلوي، ومحاسبة كل متهاون ومستهتر بمصالح المواطنين داخل الإدارة الترابية. فالصمت لم يعد مجدياً، واللامبالاة أرواحٌ تزهق وأعصابٌ تُستنزف.












