قد يبدو اقتناء منزل أو قطعة أرضية عن طريق التنازل خيارا مغريا للراغبين في امتلاك عقار بسعر أقل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعقارات غير محفظة أو لا تتوفر على رسوم عقارية واضحة، غير أن هذا النوع من المعاملات قد يخفي وراءه مخاطر قانونية ومالية كبيرة.
وتبرز هذه المخاطر عندما تتم الصفقة اعتمادا على وثيقة تنازل محررة لدى كاتب عمومي، دون التحقق من مصدر الحقوق التي يتصرف فيها البائع أو التأكد من مدى أحقيته في تفويتها، إذ إن دفع مبلغ مالي مقابل التنازل لا يعني بالضرورة انتقال ملكية العقار إلى المشتري.
ويقصد بالبيع بالتنازل، في الممارسات المتداولة، تفويت حقوق مرتبطة بعقار غير محفظ مقابل مبلغ مالي، وقد يتعلق الأمر بالحيازة أو الاستغلال أو الانتفاع، بحسب طبيعة الاتفاق والوثائق المتوفرة لدى المتنازل.
وتكمن الإشكالية الأساسية في الخلط بين التنازل عن الحيازة أو حق الاستغلال وبين نقل ملكية العقار، إذ إن الوثيقة التي تثبت اتفاق الطرفين قد تكون مفيدة لإثبات بعض الوقائع أو الحقوق، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات الملكية بشكل قانوني ونهائي.
ومن أبرز المخاطر التي قد يواجهها المشتري ظهور طرف آخر يطالب بالعقار استنادا إلى وثائق أو حقوق سابقة، وهو ما قد يفتح الباب أمام نزاعات قضائية طويلة، خصوصا إذا تبين أن الشخص المتنازل لم يكن يملك الحق في التصرف في العقار.
وقد تتعقد الوضعية أكثر في حال قيام الشخص نفسه بإبرام عدة تنازلات بشأن العقار ذاته لفائدة مشترين مختلفين، ما يثير نزاعات حول أحقية كل طرف في الحيازة أو الاستغلال أو المطالبة بالملكية.
ولا تتوقف الصعوبات المحتملة عند مرحلة الشراء، إذ قد يجد المشتري نفسه أمام عراقيل عند محاولة تسوية الوضعية القانونية للعقار أو الحصول على ترخيص بالبناء أو طلب تمويل بنكي بضمانه، كما قد تظهر مشاكل عند إعادة بيعه بسبب غياب وثائق واضحة تثبت الحقوق القابلة للتفويت.
وقد تبرز نزاعات إضافية بعد وفاة الشخص الذي حرر وثيقة التنازل، إذا اعترض ورثته على الاتفاق أو اعتبروا أنه لا يتعلق ببيع العقار وإنما بمجرد السماح باستغلاله أو الانتفاع به، وهو ما قد يستدعي تدخل القضاء لتحديد طبيعة الحقوق موضوع النزاع.
ورغم الإقبال المستمر على هذا النوع من المعاملات بسبب انخفاض الأسعار، فإن المختصين يشددون على ضرورة عدم اتخاذ الثمن معيارا وحيدا للحسم في قرار الشراء، إذ قد تتحول الصفقة إلى مصدر خسارة مالية كبيرة إذا لم تكن الحقوق موضوعها ثابتة وواضحة.
ومن بين الإجراءات التي تساعد على تقليص المخاطر فحص الوثائق المرتبطة بالعقار، والتأكد من هوية المتنازل وحقوقه، وتحديد موقع العقار ومساحته وطبيعة الحق المتنازل عنه والثمن وشروط الاتفاق بشكل دقيق.
كما قد تستخدم شهادة اللفيف العدلي لإثبات بعض الوقائع المرتبطة بالحيازة أو التصرف، غير أن حجيتها تظل مرتبطة بموضوعها وظروفها، ولا تعني بمفردها انتقال الملكية.
ويمكن أيضا الاحتفاظ بفواتير الماء والكهرباء أو الوثائق المتعلقة بأداء بعض الرسوم المحلية لإثبات وقائع الاستغلال أو الإقامة، غير أن هذه المستندات لا تكفي وحدها لإثبات ملكية العقار.
وقبل إتمام أي صفقة، ينصح بالتحقق من الوضعية القانونية والتعميرية للعقار لدى الجهات المختصة، والاستفسار عما إذا كان موضوع مطلب للتحفيظ أو توجد بشأنه نزاعات أو قيود قد تؤثر في إمكانية البناء أو الاستغلال.
كما تظل الاستعانة بموثق أو عدل أو محام متخصص في العقار خطوة أساسية لفحص السندات وتحديد طبيعة الحقوق المعروضة ومدى قابليتها للتفويت.
وفي المحصلة، فإن شراء عقار عن طريق التنازل يتطلب قدرا كبيرا من الحذر، لأن وثيقة مكتوبة أو سعر منخفض لا يشكلان ضمانة كافية، في حين يظل التحقق من أصل الحقوق والوضعية القانونية للعقار واستكمال الإجراءات اللازمة أفضل وسيلة لحماية أموال المشتري وتفادي النزاعات مستقبلا.












