في شارع القناصل بالمدينة العتيقة بالرباط، حيث تكسر ألوان الأثواب التقليدية رمادية السماء، تتجه السيدة فتيحة بخطى متأنية بين الدكاكين، لا يشغلها سوى هدف واحد: العثور على لباس مغربي أنيق لطفل أختها المقيمة في فرنسا ليستقبل به شهر رمضان.
هنا تمتزج رائحة الشاي بالنعناع ببخور “سرغينة” المسقي بماء الزهر، فيما تتعالى أصوات الزبونات وهنّ ينتقين أثوابا دافئة سيحوّلنها لاحقا إلى ألبسة على ذوقهن، وزبناء آخرون يساومون التجار للحصول على أجمل ما جادت به أنامل الحرفيين بأفضل الأسعار.
بالنسبة لفتيحة، لا تكتمل استعدادات “سيدنا رمضان” دون لباس تقليدي مغربي “أصيل”، يحمل “ريحة البلاد” ويختزل درسا في الهوية والثقافة، ينبغي أن ينتقل من جيل إلى آخر، حتى في ديار المهجر.
وتقول في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء إنها تستعد لزيارة أختها قريبا في فرنسا، وقد جهزت “الزميتة” و“السفوف”، “لكن الاستعداد لا يكتمل إلا باللباس التقليدي”، معتبرة أنه رغم توفر المستلزمات في الخارج، تبقى “المنتجات المغربية الأصيلة ذات طابع خاص”.
هذا الوعي، كما يشرح تجار السوق، هو ما يدفعهم إلى الاستعداد قبل رمضان بفترة طويلة. فحسب رشيد، الذي يزاول بيع الألبسة التقليدية منذ 20 عاما، فإن المغاربة “معروفون بإقبالهم الكبير على هذا النوع من اللباس مع اقتراب المناسبات والأعياد، سواء للرجال والنساء أو الأطفال”. ويؤكد من داخل محله، وهو يطوي بعناية أثوابا مزينة بزخارف “السفيفة والعقاد”، أن الإقبال يتزايد بشكل ملحوظ خلال الأيام العشر التي تسبق الشهر الفضيل.
وفي الأسواق نفسها، يلاحظ التجار طلبا متزايدا على “الجلابة” و“القفطان” و“الكندورة” و“السروال قندريسة” إضافة إلى “الصدريات”، باعتبارها ألبسة تراعي القيم الروحانية وتُظهر الفرح بقدوم رمضان والأعياد بألوان بهية وزخارف متعددة.
ولم تعد مهنة بيع اللباس التقليدي حكرا على الرجال. في “باب الحد” بالرباط، تبرز أسماء كتاجرة شابة ورثت المهنة عن والدها، وتقف مزهوة ببضائعها. وتقول إنها تستعد قبل رمضان “بجلب السلع الجديدة لنوفر للناس اختيارات متنوعة وكل ما هو جديد”، موضحة أن الفترة من بداية رمضان إلى منتصفه تشهد إقبالا أكبر من الرجال على الجلباب و“الكندورة”، قبل أن يتحول الاهتمام نحو ملابس الأطفال مع اقتراب عيد الفطر.
ومع ارتفاع أذان الظهر، تُغلق المحلات أبوابها للصلاة. تضم فتيحة “الجبادور” الأزرق النيلي الذي اختارته لابن أختها كأنه كنز ثمين، وتغادر السوق… لكن عينيها تظلان معلقتين بما تعرضه الدكاكين الأخرى، وكأن رغبتها في اقتناء المزيد لا تنتهي، تماما كما لا تنتهي حكايات المغاربة مع لباسهم التقليدي كلما اقترب رمضان.












