قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل، عاد ملف استقطاب الشباب إلى واجهة النقاش السياسي بالمغرب، في ظل مؤشرات متزايدة على اتساع فجوة الثقة بين الجيل الجديد والمؤسسات الحزبية.
وجاء هذا الحراك في أعقاب احتجاجات غير مسبوقة قادها شباب حركة جيل زد 212 في شتنبر الماضي، والتي انطلقت من منصة “ديسكورد”، رافعة شعارات تطالب بتحسين خدمات الصحة والتعليم، ومنتقدة حجم الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة بالتحضير لتنظيم كأس العالم 2030. ورفضت الحركة آنذاك أي حوار مباشر مع الحكومة، موجهة مطالبها إلى الملك محمد السادس، ما وضع الأحزاب في موقف حرج لإثبات دورها كوسيط سياسي.
في محاولة لكسر عزوف الشباب، اعتمدت الدولة لأول مرة حزمة تحفيزات مالية مباشرة، تقضي بتغطية 75 في المئة من مصاريف الحملات الانتخابية للمرشحين دون 35 سنة، بسقف يصل إلى 500 ألف درهم، إضافة إلى تسهيلات في الترشح المستقل لتقليص الارتهان لتزكيات الأحزاب التقليدية.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، عمر الشرقاوي، أن هذه التعديلات تمثل “جواباً قانونياً” على احتجاجات الشباب، لكنها تظل، في نظره، إجراءً ظرفياً لا يعالج عمق الأزمة السياسية. وأوضح أن ارتباط تصدر الانتخابات برئاسة الحكومة، وفق ما ينص عليه الدستور المغربي، يجعل حسابات الصدارة تطغى على رهانات تجديد النخب، ما يحد من فرص بروز قيادات شبابية حقيقية.
في المقابل، يؤكد حزب حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الائتلاف الحكومي، أن إدماج الشباب ليس رهين الاستحقاقات الانتخابية فقط. ويشير الحزب إلى أن انتخابات 2021 أفرزت آلاف المنتخبين الشباب على المستوى الوطني والجهوي، إضافة إلى أكثر من 30 نائباً شاباً في البرلمان، معتبراً أن الحوافز الجديدة تمثل “إشارة إيجابية” لتعزيز المشاركة.
غير أن الأرقام تكشف استمرار فجوة الثقة؛ إذ يقدّر عدد الشباب الذين بلغوا سن التصويت لأول مرة بأكثر من 4 ملايين، يمثلون نحو 15 في المئة من الكتلة الناخبة، بينما لا يتجاوز عدد المسجلين الجدد في اللوائح الانتخابية 382 ألفاً، من أصل 16.5 مليون ناخب مسجل. كما تشير استطلاعات إلى أن أكثر من 70 في المئة من الشباب لا يثقون في العملية السياسية.
وبحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن نسبة تسجيل الشباب بين 18 و24 عاماً لا تتعدى 33.6 في المئة، مقابل 94.4 في المئة لدى من تفوق أعمارهم 60 سنة، ما يعكس اختلالاً واضحاً في المشاركة بين الأجيال.
في ظل هذه المؤشرات، يبقى الرهان الحقيقي أمام الأحزاب ليس فقط في تقديم حوافز مالية أو تغيير الوجوه، بل في صياغة خطاب سياسي جديد يستجيب لتطلعات جيل يبحث عن فرص شغل حقيقية، وجودة خدمات، ومشاركة فعلية في صنع القرار، بعيداً عن منطق “إعادة التدوير” الذي ينتقده كثير من الشباب.












