من القمم المكللة بالثلوج في الأطلس إلى تخوم الصحراء، مروراً بسواحل تمتد على واجهتين بحريتين، يعرض المغرب لوحة طبيعية استثنائية تجعله من بين البلدان الأكثر غنى وتنوعاً في محيطه المتوسطي والإفريقي. هذا الغنى لا يقتصر على جمال المناظر، بل يتجسد في فسيفساء بيولوجية حقيقية تجمع بين كائنات نادرة وغطاء نباتي متنوع، ما يمنح المملكة موقعاً فريداً كملتقى للتنوع البيولوجي بين إفريقيا وأوروبا.
ويبرز هذا المعطى بشكل خاص مع حلول اليوم العالمي للأحياء البرية الذي يصادف الثالث من مارس من كل سنة، حيث تشكل النظم الإيكولوجية المغربية—الغابوية والصحراوية والزراعية والساحلية—مجالاً رحباً لآلاف الأنواع، دون إغفال غنى المناطق الرطبة والأوساط الجوفية التي تلعب دوراً محورياً في التوازن البيئي.
ووفق معطيات رسمية، يضم “الوحيش” المغربي قرابة 25 ألف نوع، من بينها نسبة معتبرة من الأنواع المستوطنة. كما تتوزع هذه الثروة الحيوانية بين الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات والأسماك واللافقاريات، ما يعكس تعدد البيئات الطبيعية التي تحتضنها المملكة. وتؤوي بعض المناطق أيضاً كائنات مميزة ومهددة في الآن ذاته، مثل فقمة الراهب المتوسطية، ونسر الرخمة، والمكاك البربري.
أما الغطاء النباتي، فيضم حوالي 7 آلاف نوع معروف، مع تركّز لافت داخل المجالات الغابوية، خصوصاً بالمناطق الجبلية في الريف والأطلس، التي تُعد من أهم المجالات على مستوى الاستيطان النباتي، بالنظر إلى ما تحتضنه من أصناف نادرة وفريدة.
غير أن هذا التراث الطبيعي، على غرار ما تعرفه العديد من دول العالم، يواجه ضغوطاً متصاعدة، بفعل التوسع الحضري، واجتثاث الغابات، والرعي الجائر، والزراعة المكثفة، والاستغلال غير المشروع للموارد، إلى جانب تأثيرات التغيرات المناخية التي باتت تهدد توازن النظم الإيكولوجية وتقلص مجالات العيش لدى عدد من الأنواع.
ولمواجهة هذه التحديات، عمل المغرب على ملاءمة اختياراته مع المعايير الدولية الخاصة بصون الطبيعة، عبر الانخراط في اتفاقيات دولية بارزة، من بينها اتفاقية التنوع البيولوجي واتفاقية “سايتس” التي تؤطر التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض. كما تستند المملكة إلى إطار قانوني ومؤسساتي يهدف إلى حماية الأنواع البرية ومراقبة الاتجار فيها.
وعلى مستوى الميدان، تُنفّذ عمليات مراقبة وتفكيك للشبكات المتورطة في الاتجار غير المشروع بالأحياء البرية، بالتوازي مع تطوير شبكة وطنية للمناطق المحمية. ويضم المخطط التوجيهي للمناطق المحمية عشرات المواقع ذات الأهمية البيولوجية والإيكولوجية، إضافة إلى منتزهات وطنية تعد رافعة أساسية في حماية الموائل الطبيعية وتثمينها.
كما يحظى ملف المناطق الرطبة باهتمام خاص، من خلال إدراج عدد من المواقع ضمن قائمة رامسار، بما يعكس مكانتها الحيوية باعتبارها خزانات طبيعية للتنوع البيولوجي ومجالات ضرورية لتكاثر الطيور المهاجرة واستقرار العديد من الأنواع.
إلى جانب ذلك، يواصل المغرب تكثيف برامج استعادة النظم الإيكولوجية عبر إعادة التشجير ومحاربة التصحر وإعادة تأهيل الموائل المتدهورة، إلى جانب تتبع الأنواع المهددة ومكافحة القنص الجائر والتحسيس بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية.
وفي مسار التوفيق بين حماية الحياة البرية والتنمية، تراهن المملكة على دعم أنشطة مدرة للدخل داخل المناطق المحمية، حيث تبرز السياحة الإيكولوجية كخيار واعد يحول الغنى البيولوجي إلى قيمة مضافة لفائدة الساكنة المحلية، ويعزز فكرة التثمين المستدام بدل الاستغلال المفرط.
وبوضع حماية النظم الإيكولوجية في صلب السياسات العمومية، يكرس المغرب التزاماً طويل الأمد لصون ثروته الطبيعية، باعتبارها رهاناً بيئياً وتنموياً في آن واحد، وضمانة لازدهار مشترك ورفاهٍ مستدام للأجيال الحالية والقادمة.












