في أعالي جبال إقليم تاوريرت، حيث تحتفظ دبدو بهدوئها العتيق وملامحها التاريخية، لا تزال أكلة “الرقاق” تتصدر المشهد الرمضاني بوصفها أكثر من طبق تقليدي. إنها جزء من ذاكرة غذائية محلية، ورمز لتراث متجذر ارتبط بتاريخ البلدة وتعايش مكوناتها الثقافية عبر قرون طويلة.
ولا ينظر أهل دبدو إلى “الرقاق” كوجبة عابرة، بل كامتداد لمسار اجتماعي وثقافي طبع الحياة اليومية داخل المدينة، خاصة في أحيائها القديمة التي عرفت تقارباً إنسانياً بين المسلمين واليهود. هذا التداخل، الذي صنعته الجيرة وتبادل العادات، جعل من “الرقاق” شاهداً مطبخياً على مرحلة من التعايش الهادئ الذي تميزت به المنطقة.
وتروي الذاكرة المحلية أن نساء دبدو حافظن على هذه الأكلة جيلاً بعد جيل، حتى تحولت من وصفة منزلية بسيطة إلى عنصر ثابت من عناصر الهوية الثقافية. فطريقة إعدادها—رغم بساطة مكوناتها—تحتاج مهارة وصبراً؛ إذ تقوم على دقيق القمح أو الشعير، يُمزج بالماء والزيت وقليل من السكر والملح، مع لمسة “البسباس” التي تمنحها نكهة مميزة، قبل أن تُعجن العجينة وتُفرد بعناية كبيرة حتى تصبح رقيقة جداً، ثم تُطهى في الفرن إلى أن تكتسب لونها الذهبي وقرمشتها المعروفة.
وبحسب حافظات الوصفة، فإن سر نجاح “الرقاق” يكمن في دقة العجن ورفاعة الفرد، ما يجعل من تحضيره طقساً منزلياً قائماً بذاته، تتقاطع فيه الخبرة مع الصبر وحب التفاصيل.
وفي تصريح حول جذور هذا الموروث، أكدت قدوري دوجة من دوار أولاد عمارة بدبدو أن المدينة كانت، عبر التاريخ، نموذجاً في احتضان المكون اليهودي الذي عاش في انسجام مع باقي الساكنة، معتبرة أن “الرقاق” يظل من أبرز ما ورثه الأهالي عن تلك المرحلة وحافظوا عليه كشاهد على هذا التعايش. وأوضحت أن حضوره في رمضان يبقى قوياً، إلى جانب “الحريرة” المعدة بالسمن البلدي ومنتجات محلية مثل الزبدة والجبن، التي شكلت لعقود طويلة جوهر المائدة الدبدوبية.
من جهته، يرى علي حمداوي، المهتم بتاريخ وتراث دبدو، أن المدينة تُعد خزّاناً للموروث اللامادي، وأن “الرقاق” يمثل أحد أبرز تجلياته، مشيراً إلى ارتباطه بالمكون اليهودي الذي استوطن دبدو لقرون وكان يطلق عليه اسم “الرغايف” لخفته. كما أكد أن حضور هذا الطبق يتجاوز شهر رمضان ليشمل الأعراس والمناسبات، باعتباره جزءاً من طقوس الاحتفال وصون الذاكرة.
وفي السياق ذاته، يلفت الفاعل الجمعوي خماش حسن إلى أن نمط العيش الفلاحي الذي ميز المنطقة انعكس على موائدها، إذ كانت تعتمد بالأساس على منتجات محلية تعكس الاكتفاء الذاتي، من خبز الشعير إلى “الحريرة” الغنية بـ”الكليلة” المستخرجة من حليب الماعز. ورغم دخول أطباق أخرى إلى المطبخ المحلي مع مرور الوقت، مثل الكسكس والتريد وبسطيلة الدجاج البلدي، ظل “الرقاق” محافظاً على مكانته كطبق لا يغيب عن ذاكرة المكان.
وهكذا يبقى “الرقاق” في دبدو تعبيراً حياً عن ذاكرة جماعية مشتركة، وجسراً يربط الحاضر بالماضي، مستحضراً روح التآخي التي طبعت تاريخ هذه المدينة الجبلية، ومؤكداً أن الموروث الغذائي يمكن أن يكون وثيقة ثقافية لا تقل قيمة عن أي أثر تاريخي.












