تجسد تجربة هدى بلعيدي بمدينة آسفي نموذجا بارزا لنجاح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في دعم الشباب حاملي المشاريع، وتشجيع ريادة الأعمال النسائية على تحويل الأفكار إلى مشاريع واقعية ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.
وتحمل هدى بلعيدي شهادة في هندسة نظم المعلومات، إلى جانب ماستر في تدبير المشاريع، وقد اختارت بعد إنهاء مسارها الدراسي العودة إلى مدينتها آسفي، بدل البحث عن فرص خارجها، بهدف توظيف معارفها وخبرتها لخدمة التنمية المحلية والمساهمة في دعم حاملي المشاريع بالمنطقة.
وفي هذا الإطار، أطلقت الشابة الطموحة مكتب دراسات ومواكبة يحمل اسم “بلو ستراتيجي”، وهو فضاء متخصص في الاستشارة الاستراتيجية، ومواكبة المقاولين، والتكوين، حيث سعت من خلاله إلى الربط بين الحلول التقنية والاحتياجات الفعلية للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، بما يواكب التحولات التي تعرفها بيئة الأعمال.
وأكدت بلعيدي أن دعم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، في إطار المرحلة الثالثة وضمن برنامج تحسين الدخل والإدماج الاقتصادي للشباب، شكل نقطة تحول حاسمة في مسار مشروعها. فقد مكنها هذا الدعم من اقتناء تجهيزات رقمية أساسية، وتحديث أدوات العمل، وتعزيز قدراتها على التدخل، وهو ما ساعدها على تطوير خدمات التكوين والمواكبة عن بعد، والانفتاح على السوق الوطنية بدل الاكتفاء بالمجال المحلي.
ولم يقتصر هذا الدعم على الجانب المالي فقط، بل شمل أيضا مواكبة نوعية من خلال دورات تكوينية في مجالي التيسير وريادة الأعمال، سواء قبل إطلاق المشروع أو خلال مرحلة تطويره. وقد ساهمت هذه المواكبة في ترسيخ أسس المشروع ومنحه قدرة أكبر على الاستمرار والتوسع.
وبفضل هذه الدينامية، تمكن مكتب “بلو ستراتيجي” من فرض حضوره تدريجيا بإقليم آسفي، حيث أصبح يشتغل اليوم عبر فريق متعدد التخصصات يضم خبراء ومكونين، ويتدخل في عدة مجالات من بينها الصناعة والفلاحة والاقتصاد الاجتماعي. كما ساهم منذ انطلاقه في مواكبة أكثر من 400 مستفيد في هيكلة مشاريعهم وتطويرها، ما جعله فاعلا معترفا به في مجال دعم المبادرات المقاولاتية.
ورغم هذا المسار الإيجابي، لم تخل التجربة من تحديات، خاصة تلك المرتبطة بالتمويل وبصعوبة إقناع المحيط المحلي بأهمية هذا النوع من الخدمات في البداية. ورغم أن المقاولة أُحدثت رسميا سنة 2021، فإن انطلاق المكتب بشكل فعلي لم يتم إلا سنة 2023، بعد استكمال الموارد الضرورية وترسيخ قناعة حقيقية بجدوى المشروع.
وتؤكد هدى بلعيدي، من خلال تجربتها، أن الجرأة والثقة في النفس والتكوين المستمر تبقى عناصر أساسية في نجاح النساء في عالم المقاولة. كما توجه رسالة إلى النساء الراغبات في ولوج هذا المجال، تدعوهن فيها إلى عدم الخوف من التحديات، واعتبار الصعوبات فرصا للتعلم والتطور، والإيمان بإمكانية تحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة على أرض الواقع.
وتبرز هذه التجربة الملهمة كيف يمكن لتلاقي الإرادة الفردية مع دعم البرامج العمومية، وفي مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أن يحول مشروعا ناشئا إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية وتعزيز ثقافة المبادرة وريادة الأعمال داخل المجال الترابي.












