لم تعد حوادث الشغب التي تشهدها بعض الملاعب المغربية مجرد وقائع معزولة، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى مؤشر مقلق يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع الممارسة الكروية وسلوك جزء من الجماهير.
فبينما تواصل الدولة ضخ استثمارات ضخمة لتشييد ملاعب حديثة بمواصفات دولية، تتكرر مشاهد العنف والتخريب، بما يسيء لصورة الرياضة الوطنية ويقوض الجهود المبذولة للارتقاء بها.وبحسب معطيات متقاطعة من متابعين للشأن الرياضي، فإن الإشكال لا يرتبط فقط بالبنية التحتية أو جودة التنظيم، بل يتجاوز ذلك إلى اختلالات عميقة في التأطير والتربية الرياضية.
إذ يجد عدد من المشجعين أنفسهم داخل فضاءات ضخمة تفتقر إلى برامج مواكبة تُعزز قيم التشجيع الحضاري، وهو ما يفسر، في حالات عديدة، انزلاق بعض المباريات إلى مواجهات خارج إطار الروح الرياضية.
مصادر مهتمة بالمجال الرياضي تشير إلى أن جزءًا من هذا السلوك يعود إلى تراكمات اجتماعية ونفسية، حيث تتحول المدرجات أحيانًا إلى متنفس للتعبير عن الاحتقان، في غياب قنوات بديلة للتأطير والتفريغ الإيجابي. كما أن بعض الخطابات المتداولة، سواء داخل الملاعب أو عبر المنصات الرقمية، تسهم في تأجيج التوتر بين الجماهير، بدل تكريس ثقافة التنافس النزيه.في المقابل، تبرز مفارقة لافتة؛ إذ تنتهي المباريات في أجواء عادية بالنسبة للاعبين والأطر التقنية، الذين يغادرون نحو التزاماتهم الخاصة، بينما تستمر حالة الاحتقان في محيط الملاعب، لتتحول في بعض الأحيان إلى أعمال عنف بين فئات من المشجعين، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول من يتحمل كلفة هذا الانفلات.
ويرى متتبعون أن المعالجة الأمنية، رغم أهميتها في احتواء الظواهر الآنية، تظل محدودة الأثر إذا لم تُواكب بسياسات عمومية مندمجة، تُعطي الأولوية للتربية على المواطنة الرياضية، وتُشرك الأندية والجمعيات في تأطير الجماهير، خصوصًا فئة الشباب.كما يبرز دور الإعلام في هذا السياق كعنصر حاسم، إما في تهدئة الأجواء عبر خطاب مهني مسؤول، أو في تأجيجها من خلال الإثارة غير المحسوبة. وهو ما يفرض، وفق مهنيين، ضرورة الالتزام بأخلاقيات المهنة وتغليب المصلحة العامة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تشييد ملاعب عصرية، بل في بناء وعي جماعي يجعل من هذه الفضاءات منصات للفرجة الراقية والتنافس الشريف. فبدون الاستثمار في الإنسان، تبقى كل المشاريع عرضة للاهتزاز أمام سلوكيات قد تُفرغها من مضمونها.












