يطرح ملف السيادة الغذائية بالمغرب نفسه كأحد أبرز الرهانات الاستراتيجية في ظل التحولات المناخية والاقتصادية المتسارعة، خاصة مع توالي سنوات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج وتقلبات الأسواق الدولية، وهي عوامل جعلت تأمين المواد الغذائية الأساسية بأسعار مستقرة تحديا متزايدا.
ويرى مهتمون بالشأن الفلاحي أن تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في جميع المواد الغذائية يبقى هدفا صعب المنال، بالنظر إلى محدودية الموارد المائية وتفاوت المؤهلات الطبيعية بين المناطق، إضافة إلى ارتباط جزء من الحاجيات الوطنية بالأسواق الخارجية. لذلك يبرز خيار السيادة الغذائية النسبية كطرح أكثر واقعية، يقوم على تقوية سلاسل إنتاج أساسية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي.
وخلال السنوات الأخيرة، تمكن المغرب من تطوير عدد من السلاسل الفلاحية، خصوصا في مجالات الحليب ومشتقاته والبيض وبعض المنتجات الزراعية، غير أن القطاع الحيواني ظل من أكثر القطاعات تأثرا بتداعيات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، ما انعكس على وضعية المربين واستقرار القطيع الوطني.
وأدت موجات الجفاف المتتالية إلى تراجع المساحات الرعوية وارتفاع كلفة تغذية الماشية، الأمر الذي دفع عددا من الفلاحين إلى تقليص قطعانهم أو بيع الأبقار الحلوب، في خطوة تثير مخاوف بشأن مستقبل الإنتاج الحيواني وقدرته على تلبية الطلب الداخلي بشكل مستقر.
كما ساهمت اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج في زيادة الضغط على الأسواق، حيث عرفت أسعار الماشية واللحوم تقلبات واضحة، خصوصا خلال فترات الذروة، ما جعل المستهلك بدوره يتحمل جزءا من تداعيات هذه الاختلالات.
وفي هذا السياق، يبرز التمييز بين السيادة الغذائية والأمن الغذائي؛ فالأولى ترتبط بالتحكم في منظومة الإنتاج والموارد والقرار الغذائي، بينما يركز الأمن الغذائي على ضمان توفر المواد الأساسية للمواطنين، سواء عبر الإنتاج المحلي أو عبر الاستيراد المنظم.
وأمام هذه التحديات، تتجه الأنظار نحو حلول أكثر استدامة، من بينها الفلاحة الذكية التي تعتمد على التكنولوجيا لترشيد استعمال المياه، وتحسين الإنتاج، وتتبع الضيعات، وتقليص الهدر. كما تكتسب الأعلاف البديلة أهمية متزايدة باعتبارها خيارا عمليا لتخفيف الضغط على الموارد التقليدية وخفض التكاليف بالنسبة للمربين.
ويرى خبراء اقتصاديون وفلاحيون أن بناء سيادة غذائية قوية لا يعني بالضرورة إنتاج كل شيء محليا، بل يرتبط بامتلاك قدرة حقيقية على التحكم في الموارد الحيوية، مثل الماء والبذور والأعلاف وسلاسل التبريد والتوزيع، إلى جانب تنويع الشركاء التجاريين لتفادي الارتهان لمصدر واحد عند الأزمات.
كما يؤكد متتبعون أن استقرار الإنتاج الحيواني يمر عبر تحسين السلالات، وتطوير الأعلاف، وتعزيز الصحة الحيوانية، وتنظيم السوق، مع اعتماد نموذج مرن يجمع بين الإنتاج المحلي والتجارة الخارجية المدروسة.
ويظل الرهان الأكبر هو تحقيق توازن بين وفرة المواد الغذائية واستقرار أسعارها، بما يحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين ويضمن صمود القطاع الفلاحي أمام التقلبات المناخية والاقتصادية، خاصة في ظل تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية.












