أكد طارق سليكي، رئيس اتحاد الناشرين المغاربة، أن الثورة الوسائطية لا تشكل عائقا أمام صناعة نشر الكتاب، بل فرصة ينبغي استثمارها بمرونة وتجدد، معتبرا أن الناشر مطالب اليوم بالتحول إلى فاعل ثقافي رقمي، لا مجرد وسيط في طباعة الإصدارات.
وأوضح سليكي، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، أن الانتقال من “النشر التقليدي” إلى “صناعة النشر” يفرض تحولات عميقة، أبرزها الانتقال من منطق الحرفة إلى منطق المؤسسة، عبر بناء دور نشر مهيكلة، ذات وظائف واضحة واستراتيجيات طويلة المدى.
وشدد على أهمية اعتماد عقود شفافة تحمي حقوق الناشر والكاتب، والاستثمار في التكوين المهني في مجالات التحرير والتسويق الثقافي وإدارة الحقوق، معتبرا أن الكاتب لم يعد مجرد “مزود محتوى”، بل شريك في الرؤية والترويج وبناء الجمهور.
وفي تعليقه على الانتقادات الموجهة إلى بعض دور النشر بشأن ضعف الهيكلة والاحترافية، اعتبر سليكي أن هذه الملاحظات تمثل دعوة إلى النضج المهني وفرصة لإعادة بناء الثقة داخل الحقل الثقافي، مؤكدا أن المستقبل سيكون للناشر الذي يشتغل بجودة أكبر وشفافية أوضح.
وأشار إلى أن عددا من دور النشر العربية نشأت في سياقات فردية أو عائلية، ولم تواكب دائما التحول نحو نموذج مؤسساتي، ما ينعكس على التحرير والتسويق والتوزيع وإدارة الحقوق، ويفرز أحيانا علاقة غير واضحة مع الكتاب.
وبخصوص التحول الرقمي، أكد رئيس اتحاد الناشرين المغاربة أن التكيف مع هذا الزمن أصبح حتميا، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، مبرزا أن السؤال لم يعد هل نتجه إلى الكتاب الرقمي، بل كيف وبأي نموذج اقتصادي وثقافي.
وأوضح أن الناشر المغربي انخرط جزئيا في المجال الرقمي، غالبا عبر تحويل الكتب الورقية إلى صيغ إلكترونية أو الحضور في منصات البيع، دون إعادة التفكير بشكل عميق في تجربة القراءة نفسها.
واعتبر أن التحدي الحقيقي ليس تقنيا فقط، بل ثقافي واقتصادي أيضا، بسبب ضعف ثقافة الدفع مقابل المحتوى الرقمي، وغياب نماذج واضحة لتقاسم العائدات، والتردد في إعادة تعريف قيمة الكتاب خارج شكله الورقي.
وشدد سليكي على أن الكتاب الورقي لم يمت، بل أصبح جزءا من تجربة أوسع يتعايش فيها الورقي والرقمي، مؤكدا أن التحول الرقمي الحقيقي يعني إعادة تعريف دور الناشر والعلاقة بين الكاتب والقارئ، وبناء نماذج تفاعلية تشمل القراءة والاستماع والمشاركة.
كما أكد أن القراءة رافعة استراتيجية تمس التعليم والاقتصاد والهوية والسيادة المعرفية، داعيا إلى إدماجها في السياسات التعليمية، ودعم الناشرين وفق معايير جودة واضحة، وتطوير شبكة مكتبات حديثة، وتشجيع الترجمة، وربط الكتاب بالتكنولوجيا.
وبخصوص المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، اعتبر سليكي أنه يشكل فضاء لتسويق الكتاب وحقوق النشر، ومنصة للقاء بين الناشرين والكتاب والموزعين، وآلية لدعم الإنتاج الوطني والدبلوماسية الثقافية.
غير أنه شدد على ضرورة تجاوز الطابع الموسمي للمعرض، من خلال إطلاق منصة رقمية موازية تستمر طوال السنة، وبناء قاعدة بيانات للناشرين والكتاب والمترجمين، حتى يصبح المعرض بنية تحتية حقيقية لصناعة النشر، لا مجرد محطة عابرة.












