يشكل المخزن الجماعي “أكادير أيت كين”، الكائن بجماعة تكموت بإقليم طاطا، واحدا من أبرز المعالم التراثية العريقة بواحات الجنوب الشرقي للمملكة، وصرحا معماريا شاهدا على عبقرية الإنسان الواحي وقدرته على ابتكار أنظمة جماعية لحفظ الأمن والغذاء والممتلكات.
ويعد هذا المخزن الجماعي من بين “الإكودار” التي ما تزال محافظة على وظيفتها الأصلية إلى اليوم، إذ يستعمل لتخزين الحبوب، خاصة الشعير، والفواكه الجافة، إلى جانب الوثائق الثمينة والمقتنيات النفيسة الخاصة بالأسر، في صورة حية لاستمرارية موروث حضاري متجذر في الثقافة الأمازيغية.
ويعكس “أكادير أيت كين” نظاما اجتماعيا تقليديا قائما على التضامن والتنظيم الجماعي، حيث يحرص حارس المخزن على فتح أبوابه مع بزوغ الفجر وإغلاقها عند غروب الشمس، وفق أعراف متوارثة رسختها المجتمعات الواحية عبر قرون.
ورغم غياب معطيات دقيقة حول تاريخ تشييد هذا المعلم، فإن وثائق وأرشيفا خاصا يعود إلى سنة 1120 هجرية، الموافق لـ1708 ميلادية، تؤكد استعماله خلال تلك الفترة، وتبرز الدور المحوري الذي اضطلع به في تدبير الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لساكنة القرية.
ويمتد المخزن الجماعي على مساحة تفوق 500 متر مربع، ويضم 76 غرفة، بمعدل غرفة لكل أسرة، إضافة إلى غرفة جماعية مخصصة للقبيلة، فضلا عن مسجد ومرافق أخرى. وكانت هذه الغرف مخصصة لحفظ الحبوب والتمور ومنتوجات الصناعة التقليدية، داخل فضاء محصن يعكس البعد الدفاعي الذي ميز هذه المنشآت التقليدية.
ومن أبرز خصائص هذا الصرح التاريخي بوابته المحصنة المعروفة باسم “أمي نواسقيف”، التي كانت تمثل خط الدفاع الأول عن القرية. ومن الطابق العلوي، كان الحراس وممثلو العائلات المحلية، المعروفون بـ”إنفلاس”، يراقبون محيط القرية لحمايتها من الأخطار المحتملة.
كما يتميز “أكادير أيت كين” بجمالية هندسته التقليدية، من خلال بابه الخشبي المزخرف، وجدرانه العالية، وفضاءاته الداخلية التي لم تكن مخصصة فقط لحماية المواد الغذائية والمقتنيات، بل أيضا لحماية الماشية من التقلبات المناخية والكوارث الطبيعية ومخاطر السرقة.
وأكد الباحث في التراث المحلي، إبراهيم أمركي، أن هذا المخزن لعب عبر التاريخ دورا أساسيا في حفظ المنتوجات الفلاحية الثمينة، إضافة إلى المخطوطات والمجوهرات والممتلكات ذات القيمة الخاصة بالأسر، مشيرا إلى أن الموقع يساهم اليوم في تعزيز الجاذبية السياحية للمنطقة واستقطاب الزوار والباحثين المهتمين بالموروث الثقافي.
ويبرز “أكادير أيت كين” كواحد من المواقع التي تعكس العمق الحضاري لمنطقة طاطا، التي شكلت عبر العصور محطة عبور وملتقى للرحالة والقوافل التجارية العابرة للصحراء، مما منحها مكانة خاصة في الذاكرة التاريخية للمغرب.
وفي ظل الجهود المبذولة لصيانة هذا الإرث والمحافظة عليه، تواصل وزارة الشباب والثقافة والتواصل العمل على تثمين “إكودار”، والسعي إلى تسجيلها ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، باعتبارها موروثا ثقافيا يعكس غنى الثقافة الأمازيغية، ويساهم في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز التنمية السياحية والاقتصادية بالمناطق الواحية.












