أكد الخبير الاقتصادي هيبوليت فوفاك أن إفريقيا تمتلك اليوم أحد أهم مفاتيح ضمان نمو اقتصادي عالمي مستدام، معتبرا أن نجاح القارة لم يعد شأنا إقليميا فحسب، بل أصبح ضرورة عالمية في ظل التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي تعرفها الدول المتقدمة.
وأوضح فوفاك، في تحليل نشره موقع “Project Syndicate”، أن الاقتصادات المتقدمة تواجه تحديات هيكلية متزايدة، في مقدمتها الشيخوخة السكانية وتراجع الاستهلاك، وهو ما يجعل العالم في حاجة إلى محركات جديدة للنمو والطلب، يمكن لإفريقيا أن تضطلع بدور محوري فيها بفضل ديناميتها الديموغرافية وحاجياتها الاستثمارية الكبرى.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن النظرة التقليدية التي حصرت إفريقيا، لعقود طويلة، في دور مصدر للمواد الخام، ساهمت في تأخير بناء صناعات تحويلية محلية وسلاسل قيمة متكاملة، ما أدى إلى اتساع فجوات الدخل الفردي بين القارة وباقي مناطق العالم، وتراجع حصتها في التجارة العالمية إلى أقل من 3 في المائة، رغم أنها تضم قرابة خمس سكان العالم.
وأبرز أن الزخم الديموغرافي الإفريقي لا مثيل له عالميا، إذ من المتوقع أن يقترب عدد سكان القارة من 2.5 مليار نسمة بحلول سنة 2050، فيما قد تشكل إفريقيا نحو 40 في المائة من سكان العالم مع نهاية القرن الحالي.
وأضاف أن إفريقيا ستستحوذ على الجزء الأكبر من الزيادة الصافية في عدد السكان في سن العمل، في وقت تعاني فيه مناطق أخرى من انكماش اليد العاملة وارتفاع معدلات الإعالة، مبرزا أن هذا المعطى يمنح القارة قدرة كبيرة على دعم الإنتاج والاستهلاك العالميين.
وشدد فوفاك على أن الشباب الإفريقي يشكل رصيدا استراتيجيا للاقتصاد العالمي، بالنظر إلى دوره في تعزيز عرض العمل وخلق طلب استهلاكي جديد، خاصة مع تسارع التوسع الحضري وظهور طبقة وسطى جديدة داخل القارة.
وبحسب التحليل، من المتوقع أن يبلغ إجمالي إنفاق المستهلكين واستثمارات الشركات في إفريقيا حوالي 16.1 تريليون دولار بحلول سنة 2050، وهو ما يعكس حجم الفرص الاقتصادية المتاحة في القارة خلال العقود المقبلة.
كما أكد الخبير الاقتصادي أن إفريقيا تمتلك إمكانات كبيرة لتحقيق التحول الهيكلي، خاصة أنها لا تزال أقل القارات تصنيعا، بحصة تقل عن 2 في المائة من الإنتاج الصناعي العالمي، رغم توفرها على موارد طبيعية هائلة يمكن أن تخلق قيمة مضافة كبيرة إذا تمت معالجتها محليا بدل تصديرها في شكل مواد خام.
واعتبر أن اغتنام هذه الفرص يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية، والتعدين، والبناء، والصناعات التحويلية، والخدمات، إلى جانب تطوير رأس المال البشري وتوفير التمويل الكافي.
كما شدد على أهمية تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، باعتبارها آلية قادرة على خلق سوق إقليمية واسعة للسلع المصنعة، وتحقيق وفورات الحجم، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات الإفريقية قبل الانفتاح الكامل على الأسواق العالمية.
وخلص فوفاك إلى أن إفريقيا تحمل بين يديها جزءا أساسيا من مستقبل النمو العالمي، بفضل ساكنتها الشابة، وأسواقها الاستهلاكية الواعدة، ومواردها الغنية، وطموحها نحو التكامل الاقتصادي.
غير أنه نبه في المقابل إلى أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يظل رهينا بسياسات عمومية فعالة، ودعم دولي حقيقي، واستثمارات موجهة نحو خلق القيمة داخل القارة، محذرا من أن فشل إفريقيا في تحقيق هذا التحول سيجعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة للركود في عالم يتجه بسرعة نحو الشيخوخة.












