يثير التراجع الحاد في مصطادات السردين بالمغرب مخاوف متزايدة بشأن مستقبل إمدادات الأسواق الدولية، خصوصا السوق الأمريكية التي تشهد ارتفاعا لافتا في الطلب على الأسماك المعلبة، في وقت تواجه فيه المصايد البحرية ضغوطا بيئية واقتصادية متزايدة.
وسلطت مجلة «فورتشن» الأمريكية الضوء على وضع السردين المغربي، مشيرة إلى أن المملكة سجلت تراجعا يقارب 46 في المائة في مفرغات السردين خلال السنوات الأخيرة، لتستقر الكميات عند نحو 525 ألف طن سنة 2024.
ويتزامن ذلك مع طفرة في استهلاك الأسماك المعلبة بالولايات المتحدة، حيث ارتفعت مبيعات القطاع من نحو 2.3 مليار دولار سنة 2018 إلى أكثر من 2.7 مليار دولار سنة 2024. كما أصبح السردين ثاني أكثر أنواع الأسماك المعلبة شعبية لدى المستهلك الأمريكي بعد التونة، متقدما على السلمون.
وتتوقع المجلة أن تواصل سوق الأسماك المعلبة عالميا نموها، إذ قدرت قيمتها بنحو 10.24 مليارات دولار سنة 2024، مع توقع ارتفاعها إلى حوالي 17.97 مليار دولار بحلول سنة 2034.
ويرتبط تراجع السردين، وفق الخبراء، بعدة عوامل بيئية واقتصادية. وأوضح رشيد السميلي، الأستاذ بجامعة كولومبيا البريطانية، أن السردين من الأنواع الحساسة بدرجة كبيرة لتغير درجات حرارة المياه، ما يدفع أسرابه إلى التحرك نحو مناطق أكثر ملاءمة، وأحيانا بعيدا عن مناطق الصيد التقليدية.
ولا يقتصر الأمر على تغير المناخ، إذ تشمل الضغوط أيضا الصيد المفرط والتلوث والنفايات البلاستيكية وتدهور النظم البحرية، وهي عوامل تزيد صعوبة الوصول إلى الموارد السمكية.
ويؤدي ابتعاد أسراب السردين إلى رفع تكاليف نشاط الصيد، بعدما أصبحت السفن مطالبة بقطع مسافات أطول بحثا عن مناطق جديدة، مع ارتفاع استهلاك الوقود وطول الرحلات البحرية وتزايد تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية.
وتزداد هذه الضغوط حدة في ظل اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران وتعطل حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسعار النفط وتكاليف الوقود.
ويرى السميلي أن تأثير الحرب على الصيد المغربي يظل غير مباشر، لكنه قد يشكل، إلى جانب تغير مواقع السردين، ما وصفه بـ**«ضربة مزدوجة»**: فارتفاع حرارة المياه يدفع الأسماك بعيدا، بينما تجعل أسعار الطاقة المرتفعة الوصول إليها أكثر تكلفة.
وتظهر آثار تراجع الموارد أيضا في صادرات المغرب من الأسماك السطحية الصغيرة المجمدة، إذ تراجعت حصة السردين من قيمة هذه الصادرات من 70 في المائة سنة 2020 إلى 23 في المائة سنة 2025، ومن حيث الكميات من 72 إلى 24 في المائة، مقابل ارتفاع حصة أنواع أخرى، خصوصا الإسقمري.
وفي محاولة لتعزيز تموين السوق الوطنية، قرر المغرب وقف تصدير السردين المجمد ابتداء من فاتح فبراير 2026، بهدف توفير كميات أكبر للسوق المحلية والحد من ارتفاع الأسعار. غير أن هذه الخطوة، بحسب الخبير الذي استند إليه التقرير، قد توفر حلا مؤقتا دون معالجة الأسباب الهيكلية المرتبطة بتراجع المخزون وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ولا يقتصر الضغط على المغرب، إذ تشهد مصايد السردين في شبه الجزيرة الإيبيرية بدورها قيودا متزايدة. فقد حددت البرتغال سقف مفرغات السردين لسنة 2026 في 33 ألفا و446 طنا، فيما خفضت إسبانيا سقف المصطادات ضمن خطتها المشتركة مع البرتغال مقارنة بالسنة الماضية.
ومع تزامن ارتفاع الطلب العالمي وتراجع العرض وارتفاع تكاليف الصيد والطاقة، تبرز مخاوف من انعكاس هذه التطورات على أسعار السردين والأسماك المعلبة في الأسواق الدولية، خصوصا الدول التي تعتمد بشكل كبير على الواردات.
كما يحمل تراجع السردين تداعيات اجتماعية، بالنظر إلى كونه مصدرا مهما للبروتين منخفض التكلفة، إضافة إلى ارتباطه بمداخيل آلاف البحارة والعاملين في الصيد والصناعات المرتبطة به والمجتمعات الساحلية.
وبذلك، بات السردين المغربي أمام معادلة معقدة تجمع بين تغير المناخ وتراجع الموارد البحرية وارتفاع تكاليف الطاقة والطلب العالمي المتزايد، ما قد يجعل الحفاظ على استدامة المصايد وتأمين تموين الأسواق تحديا متزايد الأهمية خلال السنوات المقبلة.












