دخلت الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي تتضمنها برامج الأحزاب السياسية للانتخابات التشريعية المقبلة مرحلة الاختبار، وسط نقاش حول مدى قابليتها للتنفيذ وانعكاساتها المحتملة على المالية العمومية، خاصة في ظل التزامات تتعلق برفع الدعم الاجتماعي والمعاشات وتخفيض الضرائب ودعم القدرة الشرائية.
وفي الوقت الذي يحذر فيه الخبير الاقتصادي ومدير مرصد العمل الحكومي محمد جدري من أن بعض الوعود قد تتجاوز الإمكانات المالية المتاحة، يرى الخبير الاقتصادي المهدي فقير أن تقييم البرامج الانتخابية لا ينبغي أن يقتصر على أرقامها، بل يجب أن يشمل أيضاً آليات التمويل والقرارات السياسية التي يمكن أن ترافق تنفيذها.
وقال جدري، في تصريح لجريدة «العمق»، إن المرحلة الانتخابية عادة ما تشهد إطلاق مجموعة من الالتزامات، غير أن الرهان الحقيقي يكمن في توضيح كيفية تحويلها من خطاب انتخابي إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، مع تحديد كلفتها ومصادر تمويلها.
وأوضح أن البرامج الانتخابية تختلف من حيث واقعيتها، فبينما يمكن تنزيل بعض الالتزامات، تظل أخرى صعبة التحقيق بالنظر إلى معدلات النمو ومستويات المديونية وحاجيات الدولة المتزايدة للموارد.
وتوقف جدري عند مقترح رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، مقدراً أن تنفيذه قد يتطلب نحو 24 مليار درهم إضافية، وهو ما يطرح، بحسبه، سؤال استدامة تمويل هذا الإجراء.
كما اعتبر أن رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم يمثل التزاماً صعب التنفيذ خلال السنوات الخمس المقبلة، في ظل الوضعية المالية لصناديق التقاعد والتحديات التي تواجه إصلاح منظومتها.
وينطبق الأمر نفسه، وفق جدري، على مقترحات تقليص الضريبة على الدخل، معتبراً أن أي تخفيض كبير في المعدلات الضريبية يتطلب توضيح كيفية تعويض الموارد التي ستفقدها خزينة الدولة.
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة أن تقدم الأحزاب، إلى جانب وعودها، تصورات واضحة بشأن الكلفة ومصادر التمويل والجدولة الزمنية، حتى يتمكن الناخب من تقييم مدى واقعية الالتزامات المطروحة.
وتساءل في هذا السياق عن إمكانية الجمع، في الوقت نفسه، بين خفض عجز الميزانية وتقليص المديونية وزيادة الاستثمار العمومي ورفع الإنفاق الاجتماعي بشكل كبير، دون تحديد مصادر تمويل إضافية وآليات للحفاظ على التوازنات المالية.
في المقابل، دعا المهدي فقير إلى قراءة البرامج الانتخابية ضمن سياقها السياسي، مؤكداً أن الوعود المعلنة تظل التزامات تتحمل الأحزاب مسؤولية تنفيذها أمام الناخبين.
وسجل فقير أن برامج انتخابات 2026 أصبحت، مقارنة باستحقاقات سابقة، أكثر ارتباطاً بالأرقام والإجراءات الدقيقة، بعدما كانت تركز بدرجة أكبر على مؤشرات عامة من قبيل نسبة النمو أو عدد مناصب الشغل المراد إحداثها.
واعتبر أن هذا التطور يعكس قدراً من النضج في صياغة البرامج السياسية، إذ باتت الأحزاب تقدم التزامات قابلة بشكل أكبر للقياس والتقييم والمحاسبة.
وبخصوص رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، يرى فقير أن تنفيذ الإجراء قد يكون ممكناً تقنياً إذا رافقته إعادة ترتيب للموارد وتحسين للاستهداف واتخاذ قرارات تتعلق بكيفية توجيه الدعم العمومي.
وأوضح أن صانع القرار يمكن، على سبيل المثال، أن يعيد توزيع بعض الموارد المخصصة لآليات دعم أخرى ويوجهها إلى الأسر المستحقة، وهو ما يعني أن تقييم الالتزام لا ينبغي أن يعتمد فقط على حجم الموارد المتاحة في الوضع الحالي.
وقدم فقير مثالاً آخر يتعلق بمقترح مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم، موضحاً أن قابلية تطبيق مثل هذا الإجراء ترتبط بالطريقة التي ستتم بها تغطية تكلفته، ومنها إمكانية فرض مساهمة تضامنية محدودة على كبار المستهلكين.
وبحسب الخبير، فإن مثل هذه الآليات تظهر أن الحكم على الوعود الانتخابية بالأرقام وحدها قد لا يكون كافياً، لأن الخيارات السياسية وإعادة توزيع الموارد يمكن أن تغير المعادلة المالية.
وشدد فقير، في المقابل، على أن دور الخبير الاقتصادي ليس منح أي حزب «صك غفران»، موضحاً أن النظر إلى الوعود بناء على الوضع المالي والاقتصادي الراهن يفرض بطبيعة الحال تسجيل تحفظات بشأن عدد منها.
وأكد أن المسؤولية النهائية تبقى سياسية، وأن الأحزاب مطالبة بتوضيح «التوليفة» التي ستعتمدها لتحقيق أهدافها، سواء تعلق الأمر بالدعم الاجتماعي أو الضرائب أو المعاشات أو القدرة الشرائية.
وبين تحذيرات مرتبطة بكلفة الوعود ورؤية تراهن على إمكانية إعادة ترتيب الموارد، يتجه النقاش حول برامج انتخابات 2026 نحو سؤال أساسي: ليس فقط ماذا تعد الأحزاب الناخبين، وإنما كيف ستمول هذه الالتزامات، وما القرارات التي ستكون مستعدة لاتخاذها لتحويلها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.












