رغم التوسع الذي شهده نظام التأمين الإجباري عن المرض في المغرب خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الاستفادة الفعلية من التغطية الصحية تواجه عدداً من الإكراهات، في ظل استمرار فجوة بين عدد المسجلين في النظام وعدد المستفيدين فعلياً من خدماته.
وكشفت دراسة أعدها الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية الطيب حمضي أن عدد المسجلين في نظام التأمين الإجباري عن المرض «أمو» بلغ نحو 32 مليون شخص سنة 2025، أي ما يعادل 88 في المائة من مجموع السكان.
غير أن عدد المستفيدين فعلياً من التغطية لا يتجاوز 25.6 مليون شخص، وفق الدراسة، ما يعني أن حوالي 8.54 ملايين شخص يظلون خارج دائرة الاستفادة الفعلية من الحقوق المرتبطة بالتأمين الصحي.
وأرجعت الدراسة جزءاً من هذه الفجوة إلى إغلاق الحقوق في التغطية الصحية، وهي وضعية تشمل خصوصاً 65.72 في المائة من العمال غير الأجراء، إضافة إلى 43.11 في المائة من المنخرطين في نظام «أمو الشامل».
وتبرز هذه الأرقام أن توسيع قاعدة المسجلين لا يعني بالضرورة ضمان الولوج الفعلي إلى العلاج، في ظل استمرار عراقيل مالية وتنظيمية ومجالية تحد من الاستفادة من الخدمات الصحية.
ويأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه الميزانية العمومية المخصصة للصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم مبرمجة لسنة 2026، غير أن الدراسة تشير إلى أن زيادة الموارد لم تنعكس بالقدر نفسه على سهولة الولوج إلى العلاج.
وتظل الأسر المغربية تتحمل جزءاً مهماً من تكلفة العلاج، إذ تمثل مساهمتها أكثر من 52 في المائة من إجمالي الإنفاق الصحي، بينها حوالي 38 في المائة من النفقات التي تؤدى مباشرة عند الحاجة إلى العلاج.
كما تصل المصاريف المتبقية على المؤمنين في العلاجات الخارجية إلى 50.2 في المائة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مقابل 41.1 في المائة لدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي.
وترتبط هذه الوضعية، بحسب الدراسة، باستمرار اعتماد التعريفات الوطنية المرجعية دون مراجعة منذ سنة 2006، ما يوسع الفارق بين الكلفة الفعلية للعلاج والمبالغ المعتمدة في التعويض.
وكشفت الدراسة أيضاً أن 41.5 في المائة من المغاربة يتخلون عن العلاج لأسباب مالية، ما يعكس استمرار تأثير القدرة الشرائية على الاستفادة من الخدمات الصحية.
وفي ما يتعلق بتوزيع تعويضات التأمين الإجباري عن المرض، يستحوذ القطاع الخاص على 91 في المائة منها، مقابل 9 في المائة فقط للقطاع العام.
وتواجه المنظومة الصحية كذلك تحديات مرتبطة بالموارد البشرية، إذ يقدر الخصاص بحوالي 30 ألف طبيب وأكثر من 60 ألفاً من مهنيي الرعاية الصحية، مع مغادرة أكثر من طبيبين للمغرب يومياً.
كما يتركز نحو 75 في المائة من مهنيي الصحة في ثلاث جهات فقط، ما يبرز استمرار التفاوت المجالي في توزيع الكفاءات والخدمات الصحية.
وعلى مستوى التوازن المالي، تشير الدراسة إلى أن نسبة التعويضات إلى الاشتراكات تصل إلى 121 في المائة لدى الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، وترتفع إلى 172 في المائة لدى نظام العمال غير الأجراء.
وتخلص المعطيات إلى أن توسيع التغطية الصحية ورفع ميزانية القطاع يمثلان تقدماً مهماً، غير أن ضمان الاستفادة الفعلية من العلاج يظل مرتبطاً بتحديث آليات التعويض، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الموارد البشرية، والحد من العبء المالي الذي تتحمله الأسر.












