المغرب يعبئ 147 مليار درهم عبر تثمين العقارات العمومية
تتجه الدولة المغربية إلى تعزيز اعتمادها على العقارات العمومية كرافعة لتمويل الاستثمار، بعدما مكنت آليات التمويل المبتكرة من تعبئة نحو 147 مليار درهم خلال الفترة الممتدة من سنة 2019 إلى نهاية 2025، في إطار توجه يروم تثمين الأصول العقارية للدولة وتوفير موارد مالية إضافية لتمويل المشاريع التنموية، مع ضمان استمرارية المرافق والخدمات العمومية.
وحسب تقرير الأنشطة السنوية لمديرية الميزانية برسم سنة 2025، ارتفعت التمويلات المحصلة عبر هذه الآليات من حوالي 7.15 مليارات درهم سنة 2019 إلى 40.1 مليار درهم خلال سنة 2025، مسجلة زيادة تجاوزت خمسة أضعاف في ظرف ست سنوات، وهو ما يعكس تنامي دور هذا النموذج في تنويع مصادر تمويل الاستثمار العمومي وتقليص الاعتماد على الموارد التقليدية للميزانية.
وتقوم هذه الآلية على تفويت ملكية بعض العقارات العمومية إلى مستثمرين مؤسساتيين مقابل مبالغ مالية، مع تمكين الإدارات والمؤسسات المعنية من مواصلة استغلالها بموجب عقود إيجار طويلة الأمد. ويسمح هذا النموذج بتحويل القيمة الاقتصادية للعقارات إلى سيولة مالية يمكن توجيهها نحو تمويل المشاريع الاستثمارية، دون الحاجة إلى إخلاء المباني أو تعطيل الخدمات المقدمة داخلها.
وشملت العمليات المنجزة عقارات تستغلها قطاعات حيوية، من بينها التربية الوطنية والصحة والعدل والتعليم العالي، إلى جانب ممتلكات ذات طابع إداري. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين استغلال الرصيد العقاري للدولة والاستفادة من قيمته المالية، مع الحفاظ على العقارات الضرورية لاستمرار المرافق العمومية في أداء مهامها.
وأشار التقرير إلى أن آليات التمويل المبتكرة أصبحت مكوناً متنامياً ضمن منظومة تمويل الاستثمار العمومي، بفضل الدور الذي تضطلع به مديرية الميزانية في الإشراف على هذا الورش وتنسيق مختلف مراحله مع المؤسسات والجهات المعنية.
ولا تقتصر هذه الصيغة على توفير موارد إضافية للخزينة، بل تتيح أيضاً فرصاً استثمارية أمام المؤسسات المالية والمستثمرين، خصوصاً هيئات التوظيف الجماعي العقاري، التي يمكنها تحقيق عائدات منتظمة من خلال الإيجارات طويلة الأمد، في حين تتولى جهات متخصصة تدبير العقارات المعنية.
ويأتي هذا التطور في سياق تسجيل تحسن في المداخيل العمومية خلال سنة 2025، إذ ارتفعت المداخيل العادية للدولة بنسبة 14.2 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، لتبلغ 424.2 مليار درهم، بزيادة تناهز 52.9 مليار درهم.
كما سجلت المداخيل الضريبية ارتفاعاً بنسبة 14.1 في المائة، لتصل إلى 358.9 مليار درهم، متجاوزة التوقعات المحددة في قانون المالية، بمعدل إنجاز بلغ 108.8 في المائة. ويعزى هذا التحسن أساساً إلى ارتفاع حصيلة الضريبة على الشركات بنحو 21.3 مليار درهم، والضريبة على القيمة المضافة بـ9.1 مليارات درهم، والضريبة على الدخل بـ5.7 مليارات درهم، فضلاً عن زيادة مداخيل الضريبة الداخلية على الاستهلاك ورسوم التسجيل والتنبر والرسوم الجمركية.
وساهم تحسن الموارد العمومية، إلى جانب إجراءات ترشيد النفقات، في تقليص عجز الميزانية إلى 3.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية مقارنة بسنة 2024. كما مكنت إجراءات ضبط الإنفاق من تحقيق وفورات بقيمة 4.5 مليارات درهم في نفقات التسيير.
في المقابل، أظهرت معطيات تنفيذ الميزانية استمرار فجوة بين الاعتمادات المرصودة للاستثمار العمومي والمبالغ التي جرى صرفها فعلياً، إذ بلغت الاعتمادات المتاحة نحو 167.5 مليار درهم، مقابل التزامات بقيمة 147.1 مليار درهم، فيما لم تتجاوز الإصدارات الفعلية 129.44 مليار درهم، ما يعادل فارقاً يقارب 38 مليار درهم بين الاعتمادات المتاحة والمبالغ المصروفة.
وبلغ معدل الالتزام باعتمادات الاستثمار حوالي 88 في المائة، فيما مثلت الإصدارات الفعلية نحو 88 في المائة من الالتزامات المسجلة، وهو ما يبرز استمرار جزء من الاعتمادات دون تحويله إلى نفقات منفذة على أرض الواقع. وفي المقابل، اقتربت نسبة الالتزام في نفقات التسيير من استنفاد الاعتمادات المتاحة، بعدما بلغت الالتزامات 328.98 مليار درهم من أصل 330.5 مليار درهم، بمعدل يقارب 99 في المائة.
وتطرح هذه المعطيات تحدي تحسين وتيرة تنفيذ المشاريع الاستثمارية وتسريع المساطر الإدارية المرتبطة بها، بما يضمن تحويل الموارد المالية المتاحة إلى مشاريع ملموسة ذات أثر اقتصادي واجتماعي، بدل الاكتفاء بتعبئة التمويلات ورصد الاعتمادات المالية.
وبين تنامي الموارد الناتجة عن تثمين العقارات العمومية وتحسن المداخيل الضريبية، تراهن الدولة على تنويع مصادر تمويل الاستثمار وتخفيف الضغط على الميزانية. غير أن الأثر الفعلي لهذه الآليات سيظل مرتبطاً بمدى توجيه الأموال المحصلة نحو مشاريع منتجة، وتحسين نجاعة تنفيذ الاستثمارات، مع ضمان استمرار المرافق العمومية في تقديم خدماتها داخل العقارات المعنية وفق عقود الإيجار طويلة الأمد.












