جيلٌ وجيلٌ
سَرَحتُ بِخَيالي هُنا، بَعيدًا عَن أَنظاري،
أُقَلِّبُ الأَحداثَ بَينَ ماضٍ وَحاضِري،
وَمُستَقبَلٍ آتٍ… مُتَرَقِّبي،
وَبَينَما أُقَلِّبُ صَفَحاتٍ وَمَواقِعَ،
لَمَحتُ غَشاوةً وَدُرُوبًا تاهَ أَصحابُها،
فَعُدتُ أُقَلِّبُ ماضيًا غابِرًا، فيهِ ريحُ المَجدِ وَالازدهارِ.
فَتَشاحَنَ عَقلِي بِعَقلٍ جاهِلِي:
أَأَنتُم فِعلًا صانِعُو هَذا التّاريخِ؟
وَقَفتُ واجِلَةً أَمامَ الأَطلالِ،
فَتَحَدَّيتُ القائِلَ بِالنُّكرانِ،
أَمَا لَبِثَ واقِفًا وَقفَةَ ناظِرٍ خائِبِ،
وَسُرعانَ ما أَطلَقتَ أَحكاماً وَأَشراطي.
سَلِ الأَندَلُسَ عَن عُصورٍ غابِرَة،
قُصورٍ وَعِزٍّ وَجاهٍ وَارتِقاءِ،
سَلِ العَرَبَ عَمّا مَضى مِن أَيّامِهِم،
فَخرٌ، وَغَرّاءُ لَيالٍ، وَفَوزٌ بِالوغى، وَانتصارُ قائِدِ.
سَل أُمّةَ مُحَمّدٍ عَمّا سَبقَ مِن إيمانٍ وَإجلالٍ، وَقُوّةِ آباءِ،
وَسَل بِلادَ الرافِدَينِ ما بَقِيَت مُعلّقاتُ شِعرٍ أَو دَيوانِي،
ما ظَلّ هُناكَ شِعرٌ قويمُ الوزنِ وَلا المِيزانِي،
سَلِ الفُراتَ: أَينَ خَيراتُه؟ أَينَ نَجلَت أَيّامُه الخَوالي؟
سَل، وَسَل، وَسَل، حَتّى يَنسَلَّ اللّساني.
سَهمٌ مِنَ النّبالِ أُنهِمَ، وَبِها عَلِق،
عَلِقَ اللّيالي بِالسّوادِ،
ما انطَلَقَ إِلى صَوبٍ، وَلا هَدَفٍ، وَلا أَتباعِي.
آهٍ عَلى سُيوفٍ طالَ مَرقَدُها،
بِسُلطانِ اللّسانِ، قَومٌ تَحلَّوْا وَتَزيَّنوا وَتَألّقوا،
بَينَ الحُشودِ، تَغَنَّوْا بِقِلَّةِ الأَخلاقِ وَالمكارِمِ،
عَينٌ مُحمَرَّةُ المُقَلِ عَنِ الحَقِّ وَالحَقيقَةِ، وَالعَدلِ وَالإنصافِ،
مَبادِئُ لَيسَ لَها دينٌ، أَو شَريعَةٌ، أَو حَتّىِ اتّجاهُ.
جيلٌ ظَنَنّا أَنّنا نُرَبِّيهِ مِن أَجلِ غَدٍ واعِدٍ،
إِذ بِهِ جيلٌ يَتَرَصَّدُ أَخطاءَ غَيرِهِ،
وَلا يُغَيِّرُ ما بِهِ، وَلا يُصلِحِي.
آآهٍ عَلى أُمَّةٍ بَكى عَلَيها مُحَمَّدٌ،
وَآآهٍ عَلى أُمَّةٍ خافَت مِنها الأُمَمْ،
ما كانَ هذا في الحسبنِ،
وَلا جالَ يومًا في العَقلِ وَالخَواطِرِ….












