متابعة : خالد علواني
في أمسية فنية استثنائية، احتضنت قاعة المركب الاجتماعي للقرب (دار المواطن) بمدينة خنيفرة، العرض الثاني لمسرحية “أصاد”، من إنتاج جمعية أغورا للإبداع، وسط حضور وازن تقدمه باشا المدينة وقائد الملحقة الإدارية، إلى جانب نخبة من المهتمين بالشأن الثقافي والفني.
هذا العمل المسرحي المقتبس من رائعة الكاتب الروسي أنطون تشيخوف “الدب”، استطاع أن يتجاوز حدود الترجمة الكلاسيكية نحو “ترجمة ثقافية” عميقة، حيث تم تحويل النص إلى سردية محلية ناطقة بلسان أمازيغي أطلسي، يجمع بين الهوية، الذاكرة، والتعبير الفني.
في معالجة درامية شديدة الخصوصية، تحولت شخصية “بوبوفا” الروسية إلى “عويشة” الأمازيغية، وتجسدت على الخشبة في أداء مبهر لكل من سعاد شرف وهاجر ضحى، عبر شخصيتي “عويشة” و”ثفوشث”. قدمتا أداء داخليا مشحونا بالتوتر، التمرد، الحنين، والصمت المحمل بالدلالات، مما نقل الجمهور في رحلة وجدانية متأرجحة بين الألم والسخرية، بين الحلم والواقع.
المخرج عبد الله شيشة، الذي شارك كذلك كممثل، قاد العمل نحو أفق رمزي، تمثل في شخصية “أصاد” – الوحش الأسطوري – كرمز للخوف الاجتماعي المتوارث، في قراءة مسرحية تعيد النظر في تصورات المجتمع المحلي عن السلطة، المرأة، والخرافة، حيث قال في تدوينة سابقة: “أصاد هو مجرد بشر يغلفه الخوف والتصور الشعبي، ليصبح رمزا للخرافة التي تورث جيلا بعد جيل.”
رغم تواضع القاعة وغياب البنية المسرحية الاحترافية، فإن فريق العمل استطاع بذكاء بصري تحويل الفضاء إلى تجربة جمالية كاملة. تم توظيف الخيمة، اللباس التقليدي، والإكسسوارات الأطلسية لتعميق البعد الهوياتي. أما الإضاءة، التي صممها يوسف ركراكي، فقد لعبت دورا دراميا حاسما، حيث تحول الضوء إلى أداة تعبير نفسي لا تقل أهمية عن الحوار.
في المقابل، أبدع أحمد تيسي في الجانب الموسيقي والإدارة الفنية، إذ منحت الموسيقى التصويرية للعمل بعدا وجدانيا رفع منسوب التوتر والانفعال، فيما قدّم أمين موكيل لمسة بصرية إضافية من خلال التوثيق والأنفوغرافيا، ما ساعد على تأثيث العرض وتعزيز ديناميته الجمالية.
لم تقتصر المسرحية على نخبة محددة، بل استقطبت جمهورا متنوعا شمل الأطفال، الشباب، الشيوخ، والمهتمين، وهو ما يكرّس مكانة المسرح كفضاء تشاركي وتفاعلي، يتجاوز الجدران المادية لينفتح على الشارع والمجتمع، في زمن باتت فيه الثقافة رهينة التهميش والإقصاء في العديد من المدن الداخلية.
مسرحية “أصاد” لم تكن مجرد عرض فني، بل دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للمسرح في مدينة خنيفرة، ولإحداث فضاء ثقافي قار يليق بطموحات شبابها ومبدعيها. وهو ما تجسده الرؤية الفنية لجمعية “أغورا”، بقيادة الفنان ياسين أحجام والمخرج عبد الله شيشة، في سعيهما المستمر لجعل المسرح أداة للتغيير، الحوار، والانتماء.












