متابعة: هدى الهيشو كزيرة
شكل حادث انهيار مبنيين سكنيين في أحد أحياء مدينة فاس القديمة بتاريخ العاشر من دجنبر 2025 نقطة تحول مأساوية أعادت إلى الواجهة قضية البناء العشوائي والهشاشة العمرانية التي تعاني منها المدن العتيقة في المغرب. لم يكن هذا الحادث مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل كشف عن تداعيات فشل مزمن في سياسات التعمير والمحافظة على التراث الحضري، مسلطًا الضوء على التفاعل المعقد بين القدم العمراني، الضغط السكاني المتزايد، والتدخلات الحكومية المحدودة أو المتأخرة. إن تحليل هذا الانهيار يتطلب التعمق في جذور أزمة البناء في المدن العتيقة، والتي تشكل قلب الهوية الثقافية والتاريخية للمملكة.
تعتبر المدن القديمة، وعلى رأسها فاس ومراكش وتطوان، نسيجًا تاريخيًا فريدًا، لكنها تواجه تحديات بنيوية هائلة. يعود جزء كبير من المشكلة إلى قدم الأنسجة العمرانية، حيث تعود العديد من البنايات إلى قرون مضت، وهي مشيدة بمواد تقليدية لا تتحمل الضغوط الحديثة، مثل الاهتزازات الناتجة عن حركة المرور الكثيفة أو التغيرات المناخية. إضافة إلى ذلك، فإن التوسع العشوائي والترقيع العمراني الذي ميز العقود الماضية أدى إلى إضعاف الأساسات والتضامن الهيكلي بين المباني المتلاصقة. ففي فاس، حيث تتسم الأزقة بالضيق الشديد، يصبح إدخال خدمات البنية التحتية الحديثة أو حتى إجراء عمليات تقوية للمباني أمرًا بالغ الصعوبة تقنيًا ولوجستيًا.
الأسباب المباشرة لانهيار مباني العاشر من دجنبر ترتبط غالبًا بتراكم الإهمال والتساهل في تطبيق قوانين البناء. ففي غياب المراقبة الفعالة، يلجأ السكان، مدفوعين بالضرورة الاقتصادية أو الرغبة في التوسع العمودي، إلى إضافة طوابق جديدة أو إجراء تعديلات داخلية دون استشارة هندسية أو الحصول على تراخيص سليمة. هذه التعديلات العشوائية تغير من مركز الثقل الطبيعي للمبنى وتزيد من الأحمال على الجدران والأساسات المتهالكة، مما يجعلها عرضة للانهيار المفاجئ، خاصة مع تزايد الظواهر الجوية القاسية. يعتبر الفقر السكاني وتدني مستوى الوعي بخطورة البناء غير الآمن عاملين مساعدين في تأصيل هذه الظاهرة.
تتجسد أزمة البناء في المدن العتيقة في ثلاثة محاور رئيسية: التشخيص، والتمويل، والتنفيذ. على مستوى التشخيص، تعاني السلطات المحلية من نقص حاد في الخرائط الهندسية التفصيلية لحالة كل بناية في هذه المناطق، مما يعيق وضع خطط تدخل محددة. على الرغم من إطلاق مبادرات مثل برنامج “العمران” أو برامج ترميم المدن العتيقة، فإن نطاق التدخل يظل محدودًا مقارنة بحجم المشكلة. ففي فاس، على سبيل المثال، لا تزال آلاف الوحدات السكنية مصنفة ضمن الخطر A أو B، وهي بحاجة إلى إخلاء فوري أو تدعيم مكلف.
أما على مستوى التمويل، فإن تكلفة ترميم أو إعادة بناء هذه المباني بطرق تحافظ على طابعها المعماري مرتفعة جدًا، وتتجاوز قدرة ملاك العقارات في غالب الأحيان، الذين غالبًا ما يكونون من ذوي الدخل المحدود. البرامج الحكومية تقدم إعانات محدودة أو قروضًا بشروط يصعب الوفاء بها، مما يدفع بالناس إلى تفضيل الحلول السريعة وغير الآمنة. يعيد حادث 10 دجنبر 2025 التساؤل حول جدوى التمويل المخصص للإنقاذ مقارنة بالإنفاق على مشاريع التنمية الجديدة خارج أسوار المدينة القديمة.
ويبرز الجانب التنفيذي تحديًا آخر يتمثل في التعارض بين الحفاظ على التراث والتنمية الحضرية الضرورية لتحسين ظروف العيش. فالمناطق المحمية أحيانًا تعيق التدخلات الهيكلية الكبرى اللازمة لضمان السلامة. يتطلب التعامل مع هذه الهشاشة مقاربة شمولية تدمج بين خبراء الآثار والمهندسين الإنشائيين وعلماء الاجتماع لضمان أن أي حل لا يؤدي إلى تشريد السكان أو فقدان الذاكرة المعمارية للمدينة. على سبيل المثال، فشل بعض مشاريع الإيواء البديل للسكان المتضررين من الانهيارات السابقة في توفير بدائل سكنية تحافظ على القرب من النسيج الاجتماعي والاقتصادي القديم، مما يعمق الشعور بالعجز لدى السكان.
إن انهيار مبنيي فاس لم يكن مجرد حادث عرضي، بل هو إنذار صارخ بضرورة إعلان حالة طوارئ حقيقية في مجال صيانة المدن العتيقة. يجب إعادة تفعيل وتكثيف عمليات المسح التقني الشامل للمباني، وتوفير آليات دعم مالي مباشرة وميسرة للمواطنين لتمكينهم من تقوية منازلهم، بدلاً من الاكتفاء بالتدخل الإغاثي بعد وقوع الكارثة. كما أن تفعيل دور السلطات المحلية بشكل صارم ضد أي بناء عشوائي جديد في هذه المناطق، مع تطبيق عقوبات رادعة، يعد أمرًا حتميًا لوقف النزيف العمراني. إن الحفاظ على هذه المدن يمثل استثمارًا في هوية المغرب وتاريخه، ولا يمكن تأجيله بانتظار وقوع المزيد من المآسي.
إن الطريق نحو تأمين المدن القديمة يتطلب التزامًا سياسيًا طويل الأمد يتجاوز الدورات الانتخابية. يجب أن يكون هناك توازن دقيق بين الحفاظ على القيمة التاريخية والتعجيل بمعالجة الخطر الإنشائي المحدق بآلاف الأسر. حادث دجنبر 2025 يفرض على المغرب مسؤولية أخلاقية وتنموية لإعادة النظر بشكل جذري في استراتيجيات التعمير الخاصة بتراثه الحي.












