دخل العالم، اليوم الخميس، مرحلة جديدة من الغموض الاستراتيجي مع انتهاء صلاحية معاهدة نيو ستارت، آخر اتفاق ملزم للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة و**روسيا**، في تطور يثير قلقًا واسعًا بشأن مستقبل الأمن والسلم الدوليين.
وتُعد المعاهدة، التي وُقعت سنة 2010 بالعاصمة التشيكية براغ، حجر الزاوية في منظومة الحد من التسلح النووي، إذ وضعت سقوفًا صارمة لعدد الرؤوس النووية الاستراتيجية ومنصات الإطلاق لدى الطرفين، مع آليات دقيقة للتفتيش وتبادل المعلومات. وقد دخلت حيز التنفيذ سنة 2011، قبل أن يتم تمديدها إلى غاية فبراير 2026، لتنتهي صلاحيتها رسميًا اليوم.
وبموجب “نيو ستارت”، التزمت واشنطن وموسكو بعدم تجاوز 700 صاروخ باليستي عابر للقارات وصواريخ تطلق من الغواصات، و1550 رأسًا نوويًا منتشرًا، إضافة إلى 800 منصة إطلاق، وهي القيود التي اعتُبرت لعقود ضمانة أساسية للاستقرار الاستراتيجي العالمي.
ويرى مراقبون أن انتهاء العمل بالمعاهدة يفتح الباب أمام غياب أي إطار قانوني ملزم ينظم الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم، خاصة في ظل توقف آليات التفتيش الميداني وتبادل البيانات منذ عام 2023، ما يجعل تقدير حجم الأسلحة النووية خاضعًا للتقديرات الاستخباراتية بدل الرقابة القانونية.
وفي أول رد فعل رسمي، أعلنت موسكو أنها لم تعد تعتبر نفسها ملزمة بأي تعهدات ناتجة عن المعاهدة، مؤكدة، في الوقت ذاته، أنها ستتعامل مع الملف النووي “بحكمة ومسؤولية”. في المقابل، لم تصدر واشنطن موقفًا رسميًا واضحًا، مكتفية بالإشارة إلى أن الخيارات المستقبلية لا تزال قيد الدراسة، مع تجديد رغبتها في إشراك الصين في أي مفاوضات قادمة.
أمميًا، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن انتهاء “نيو ستارت” يمثل لحظة حرجة للأمن العالمي، داعيًا القوتين النوويتين إلى العودة العاجلة لطاولة المفاوضات من أجل إرساء إطار جديد قابل للتحقق يحد من مخاطر التصعيد النووي.
وعبّرت عدة أطراف دولية عن قلقها من هذا التطور، حيث دعت فرنسا وألمانيا إلى إعادة بناء نظام دولي للحد من التسلح، فيما نبه الفاتيكان إلى خطورة منطق الخوف وانعدام الثقة. أما الصين، فأعلنت أنها لن تنخرط في مفاوضات نزع السلاح في المرحلة الحالية، مع إبداء أسفها لعدم تجديد الاتفاق بين موسكو وواشنطن.
ومع امتلاك روسيا والولايات المتحدة لأكثر من 10 آلاف رأس نووي مجتمعة، يرى خبراء أن غياب “نيو ستارت” قد يشكل بداية مرحلة جديدة من سباق التسلح، تعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة، ولكن في سياق دولي أكثر تعقيدًا واضطرابًا.












