مع حلول شهر رمضان، تستعيد أحياء المدينة العتيقة بتارودانت إيقاعاً خاصاً، حين تتعالى أصوات “النفّار” في الأزقة معلنة وقت السحور ونهاية صلاة التراويح، في مشهد يختزل ارتباطاً عميقاً بين التراث والهوية المحلية، ويمنح الشهر الكريم نكهته الروحية والاجتماعية المميزة.
فما إن يثبت دخول رمضان، حتى يعود “النفّار” إلى الواجهة حاملاً إرثاً تاريخياً ورمزية متجذرة في الذاكرة الجماعية للمدينة. هذا التقليد، المعروف أيضاً باسم “الغياط”، لا يقتصر على وظيفة التنبيه فحسب، بل يتحول إلى علامة ثقافية تُجسّد روح التآزر والتشبث بالأصالة، في زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتنوع وسائل الإيقاظ والتواصل.
ويُصنَّف “النفّار” ضمن مظاهر التراث المغربي غير المادي، إذ كان قبل انتشار وسائل التنبيه الحديثة الوسيلة الأبرز لإيقاظ الساكنة لتناول وجبة السحور. ورغم التحولات الاجتماعية والتكنولوجية، ما يزال هذا الطقس يقاوم الاندثار ويحظى بتقدير واسع لدى سكان تارودانت، الذين يرون فيه رمزاً للاستمرارية وحفظاً لروح المدينة.
ويرتدي “النفّار” زياً تقليدياً غالباً ما يتكون من جلباب وقبعة، حاملاً “النفير”، وهي آلة نفخ تقليدية ذات صوت قوي يُسمع من مسافات بعيدة. ويصعد يومياً إلى صومعة المسجد في توقيت مضبوط لإطلاق نداء السحور وإعلان نهاية التراويح، في انسجام تام مع طابع الشهر الكريم وخصوصية الأحياء العتيقة.
وفي تصريح سابق، أوضح إسماعيل أسقرو، أحد ممارسي هذه المهنة، أن مهمة “النفّار” ليست مجرد عادة موسمية، بل مسؤولية يومية تتطلب دقة والتزاماً طوال رمضان. وقال إنه كان يتهيأ مبكراً قبل السحور، متوجهاً إلى المسجد حاملاً النفير، ثم يصعد إلى الصومعة ليطلق نداءه في اللحظة المناسبة وفق توقيت متوارث بين أهل الحي. وأضاف أن الساكنة كانت تنظر إلى هذه المهمة باحترام كبير؛ فالأطفال والشباب يترقبون الصوت في الأزقة، والكبار يعتمدون عليه للاستيقاظ في الوقت الصحيح، معتبراً أن استمرار هذا الدور رغم توفر الوسائل الحديثة دليل على تشبث أهل تارودانت بعاداتهم الأصيلة.
من جهته، يرى الفاعل الجمعوي المهدي أوبلال أن الحفاظ على هذا التقليد يدخل ضمن المسؤولية الثقافية والاجتماعية للمدينة، مؤكداً أن “النفّار” لا يعلن فقط مواعيد السحور أو نهاية التراويح، بل ينسج رابطاً حياً بين الأجيال ويعكس عمق هوية تارودانت وغنى تراثها اللامادي. كما يساهم هذا الطقس، بحسبه، في تعزيز الانتماء الجماعي ويمنح السكان أجواء رمضانية تجمع بين الروحانية والتواصل الاجتماعي.
وتكسب تارودانت، بأسوارها التاريخية وأحيائها العتيقة، هذا التقليد بعداً إضافياً، إذ يتناغم صوت النفير مع الفضاء المعماري التقليدي، مستحضراً صفحات من تاريخ المدينة وذاكرتها. وهكذا، يظل “النفّار” أكثر من مجرد موقظ للسحور: إنه صوت الذاكرة الجماعية، وعنوان من عناوين الأصالة الرمضانية، وشاهد حي على تمسك الساكنة بتقاليدها جيلاً بعد جيل.












