تفرض النساء القرويات بالمغرب حضورهن تدريجيا داخل النسيج الاقتصادي المحلي بفضل العمل التعاوني، حيث أصبحت التعاونيات النسوية فضاءات مهمة لتعزيز الاستقلال الاقتصادي للمرأة ودعم التنمية بالمجالات القروية، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالأحكام المسبقة حول أدوار النساء.
ففي الجماعة القروية سبت جحجوح بإقليم الحاجب، تمكنت عضوات التعاونية النسوية “روح النسيم”، المتخصصة في تثمين النباتات الطبية والعطرية، من شق طريقهن نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي وتعزيز حضورهن داخل المجتمع المحلي. غير أن هذه المسيرة لم تكن سهلة، إذ واجهت النساء في بدايات المشروع العديد من الصعوبات المرتبطة بنظرة المجتمع لعمل المرأة خارج إطار البيت.
وتستحضر الكاتبة العامة للتعاونية، سعاد آيت سيدي، تلك المرحلة قائلة إن تأسيس التعاونية واجه انتقادات وأحكاما مسبقة، خاصة في منطقة قروية ما تزال التقاليد فيها راسخة. غير أن روح التضامن بين المنخرطات ساعدتهن على تجاوز العقبات، مؤكدة أن عضوات التعاونية تعاملن مع المشروع كعائلة واحدة تدعم بعضها البعض لتحقيق هدف مشترك.
وبفضل عزيمتهن، تمكنت التعاونية من تحقيق تقدم ملحوظ، حيث أصبحت تمثل جماعة سبت جحجوح في عدد من التظاهرات الفلاحية الوطنية، كما تطمح عضواتها إلى توسيع حضورهن عبر المشاركة في فعاليات دولية خلال المرحلة المقبلة.
من جهتها، أكدت رئيسة التعاونية فاطمة الركراكي أن العقليات بدأت تتغير تدريجيا داخل المنطقة، مشيرة إلى أن السكان الذين كانوا يعارضون فكرة عمل المرأة في البداية أصبحوا اليوم يشجعونها بل ويسعون إلى الانخراط في التعاونية.
وقد بدأت جهود هذه التعاونية تؤتي ثمارها، إذ حصلت منتجاتها مؤخرا على اعتماد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وهو ما سيمكنها من المشاركة لأول مرة في الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب. ومن بين المنتجات التي تعتزم عرضها أنواع مبتكرة من الكسكس، من بينها كسكس يعتمد على البقوليات، إضافة إلى مربى خاص مصنوع من البصل.
كما استفادت التعاونية من مقر جديد خصصته لها وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات في إطار برنامج دعم المقاولة القروية، حيث سيستعمل الفضاء الجديد في إنتاج وتثمين الكسكس والمنتجات المحلية.
وعلى مقربة من المنطقة نفسها، تواصل نساء تعاونية “بيو ديسير” بدوار آيت رباع مسارهن نحو التمكين الاقتصادي من خلال تثمين المنتجات المجالية، خاصة الفواكه التي تزخر بها المنطقة. وتوضح رئيسة التعاونية حنان أومليش أن المشروع انطلق رغم التحديات المرتبطة بالأفكار المسبقة حول عمل المرأة، لكنه نجح في ترسيخ مكانته داخل المجتمع المحلي.
وتضم هذه التعاونية اليوم 19 امرأة استطعن تطوير أنشطتهن بدعم عدد من الشركاء، من بينهم المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، كما حصلت منتجاتها بدورها على اعتماد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
وفي بوادي إقليم الحاجب، كما في مناطق قروية أخرى بالمغرب، لم تعد التعاونيات النسوية مجرد مشاريع اقتصادية، بل أصبحت فضاءات للتعلم والتضامن وبناء الثقة لدى النساء، ما يساهم في تعزيز مكانتهن داخل المجتمع.
وتشير معطيات رسمية إلى أن المغرب يضم حاليا أكثر من 3000 تعاونية نسوية تضم حوالي 150 ألف امرأة، وهو ما يعكس الدور المتنامي لهذه المبادرات في دعم التمكين الاقتصادي للنساء والحفاظ على المعارف التقليدية وتثمينها، إلى جانب المساهمة في تنمية المجالات القروية.












