يواجه سوق الشغل في المغرب مفارقة حادة تثير قلق الفاعلين الاقتصاديين، حيث تشتكي كبريات الشركات والمقاولات الصناعية من ندرة مقلقة في اليد العاملة المؤهلة، في وقت تسجل فيه مؤشرات البطالة أرقاماً مرتفعة بين صفوف حاملي الشهادات. هذا التناقض الصارخ يكشف عن فجوة عميقة بين متطلبات القطاع الإنتاجي وتطلعات الخريجين الجدد، مما يضع منظومة التشغيل الوطنية أمام تحدٍّ بنيوي غير مسبوق يتجاوز مجرد توفير فرص العمل إلى أزمة جاذبية حقيقية.
وتعزو العديد من التقارير والمؤشرات هذا العزوف إلى تحول جذري في العقلية المهنية للشباب المغربي، الذي بات يفضل التوجه نحو التجارة، الخدمات، والمشاريع الخاصة كبديل عن العمل داخل المصانع. ويرى قطاع واسع من مغاربة اليوم أن بيئة العمل الصناعي، بروتينها الصارم وساعات عملها الطويلة ومستويات أجورها الحالية، لم تعد محفزة مقارنة بالمرونة والاستقلالية المالية التي يتيحها العمل الحر، والفرص التي فتحتها التكنولوجيا الرقمية في مجالات التجارة الإلكترونية والخدمات المستقلة.
أمام هذا الواقع المعقد، يرى الخبراء أن الحل لم يعد مقتصراً على ملاءمة التكوين المهني مع سوق الشغل فحسب، بل يتطلب إعادة النظر في منظومة التحفيزات داخل القطاع الصناعي نفسه. وتجد الشركات الوطنية والأجنبية بالمغرب نفسها اليوم مجبرة على تحسين ظروف العمل، ورفع الأجور، وتقديم آفاق واضحة للتطور المهني، وذلك من أجل استقطاب الكفاءات الشابة وإقناعها بجدوى الاستقرار في الوظائف الصناعية بدلاً من المغامرة في أسواق العمل غير المهيكلة.












