لسنوات، كان صوته الإذاعي يسبِق ملامحه. نبرة هادئة، أسئلة عميقة، وحضور مهني رصين ميّز الصحافي الإذاعي جواد رامي، وجعل منه اسما مألوفا لدى مستمعي الإذاعة، بعيدا عن الخفة والاستسهال. غير أن هذا الصوت نفسه خضع، ذات يوم، لاختبار قاسٍ، حين باغته داء الباركنسون، ففرض عليه إبطاء الإيقاع والانسحاب المؤلم من الواجهة، دون أن ينجح في إسكات كلمته.
المرض، الذي يُعد من أكثر الأمراض العصبية التنكسية تعقيدا، قلب حياة هذا الصحافي المقيم بمدينة فاس رأسا على عقب. فداء الباركنسون، الناتج عن تراجع إفراز مادة الدوبامين المسؤولة عن التحكم في الحركة، لا يكتفي بإحداث رجفات وتيبس وبطء في الحركة، بل يمتد أثره إلى المزاج والنوم والتركيز، ويُرهق المصاب نفسيا بقدر ما ينهكه جسديا.
يستحضر جواد رامي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، لحظات صعبة من المواجهة الأولى مع المرض قائلا: «كنت أشعر وكأني أتحول إلى قطعة خشب جامدة»، غير أن المعاناة، كما يؤكد، لم تنتزع منه إنسانيته ولا ابتسامته.
وقبل أن يُؤكد التشخيص، كانت علامات المرض قد بدأت تتسلل بصمت. ومع توالي المؤشرات، جاء الانهيار مفاجئا، في وقت كان فيه في أوج عطائه المهني. اضطر حينها إلى التراجع خطوة إلى الخلف، مبتعدا عن الأضواء، لتفسح الحركة والنشاط مكانهما للألم والعزلة والقلق من المجهول، خاصة في ظل غياب علاج شافٍ لهذا المرض المزمن.
وبعد مسار علاجي شاق لم يحقق النتائج المرجوة، خضع جواد رامي لعملية جراحية دقيقة خارج أرض الوطن، تعتمد تقنية التحفيز العميق للدماغ، وهي تدخل يُلجأ إليه عندما تفقد الأدوية فعاليتها. وقد شكلت العملية نقطة تحول حاسمة، إذ بدأت الأعراض الحركية في التراجع تدريجيا، واستعاد الصحافي توازنه وقوة صوته.
عودة جواد إلى فاس لم تكن مجرد استئناف لحياته الشخصية، بل كانت بداية لالتزام إنساني جديد. رفقة زوجته خديجة، التي لازمته بثبات ووعي طوال مسار المرض، أسس جمعية «سند» لدعم المصابين بداء الباركنسون. وخلال الجمع العام التأسيسي، جرى انتخابه رئيسا للجمعية، في لحظة مؤثرة عكست حجم التحدي والانتصار معا.
وتهدف الجمعية إلى مواكبة المرضى على المستويات الطبية والنفسية والاجتماعية، وإلى كسر العزلة التي يفرضها المرض، في انتظار استكمال الإجراءات الإدارية للشروع في برامج دعم منظمة.
وخلال هذا اللقاء، أبرزت المعالجة النفسية سعيدة بنكيران، التي رافقت الجمع العام، الأثر النفسي العميق الذي يُخلفه المرض، مستحضرة تجربة تعاونها الطويل مع جواد رامي في برنامج إذاعي للاستشارات النفسية عبر أثير إذاعة «إم إف إم سايس»، والذي ظل لسنوات موعدا ثابتا لآلاف المستمعين. كما استرجعت لحظة إذاعية استثنائية سنة 2011، تمثلت في بث مباشر متواصل دام 20 ساعة، تجربة غير مسبوقة في المشهد الإذاعي المغربي.
وبموازاة العمل الجمعوي، يستعد جواد رامي لإصدار كتابه الأول، الذي اختار له عنوان «رائحة الخوف»، يوثق فيه رحلته مع المرض، مخاوفه، لحظات الانكسار، ثم إعادة بناء الذات. فالكتابة، بالنسبة إليه، ليست مجرد مشروع إبداعي، بل فعل مقاومة، وطريقة لرفض الصمت والاستسلام.
هكذا، لا يقدم جواد رامي قصة تعافٍ فقط، بل سيرة مواجهة، لرجل قرر أن يحوّل ألمه الشخصي إلى رسالة أمل، وأن ينهض لا من أجل نفسه فحسب، بل من أجل الآخرين، مؤكدا أن المرض قد يرهق الجسد، لكنه لا يُخمد الصوت.












