متابعة : لبنى موبسيط
تحولت مدينة القليعة، خلال الأشهر الأخيرة، إلى نقطة جذب في النقاش العمومي حول حدود الاحتجاج السلمي، ومآلات التعاطي الرسمي مع مطالب اجتماعية يرفعها شباب المنطقة. فبعد سلسلة من الوقفات والاحتجاجات المرتبطة أساساً بتردي الخدمات العمومية، وجد عدد من الشباب أنفسهم خلف القضبان، وفي مقدمتهم الناشط سفيان كرت، في ملف يثير اليوم أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة.سفيان كرت، كما يعرفه متتبعو الشأن المحلي، لم يبرز اسمه في سياق دعوات إلى الفوضى أو التحريض على العنف، بل ارتبط حضوره الميداني بفضح اختلالات قطاع الصحة، انطلاقاً من واقعة إنسانية لمواطن اشتكى من معاناة صحية قاسية بعد خضوعه لعمليات جراحية متتالية. تلك الوقفة الاحتجاجية أمام مستشفى الحسن الثاني لم تكن سوى تعبير سلمي عن غضب اجتماعي مشروع، سرعان ما وجد صداه في مناطق أخرى، في مؤشر واضح على عمق الأزمة التي تعانيها الخدمات العمومية.من زاوية الرأي، لا يمكن عزل ما جرى بالقليعة عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، حيث يتقاطع الحق في الاحتجاج، المكفول دستورياً، مع منطق الضبط والحفاظ على النظام العام. غير أن هذا التقاطع يظل حساساً، خصوصاً حين يُترجم إلى اعتقالات تطال وجوهاً معروفة بنضالها السلمي، ما يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، بعضها يذهب إلى اعتبار الأمر رسالة ردع أكثر منه إجراءً قانونياً معزولاً عن الخلفيات.الأصوات الحقوقية التي تتابع الملف تؤكد أن المطلوب اليوم ليس تبرئة مسبقة ولا إدانة جاهزة، بل احترام قرينة البراءة وضمان محاكمة عادلة، وفق ما ينص عليه قانون الصحافة والنشر وباقي القوانين ذات الصلة، بعيداً عن أي خلط بين الرأي، مهما كان حاداً، وبين الأفعال المجرّمة قانوناً. فالدولة التي تراهن على الاستقرار، لا يمكنها أن تغفل أن الثقة في المؤسسات تُبنى بالحوار والإنصات، لا بتوسيع دائرة المتابعات.إن استمرار اعتقال شباب القليعة، وفي مقدمتهم سفيان كرت، يطرح سؤال الكلفة السياسية والاجتماعية لهذا الخيار، في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة الخدمات وارتفاع منسوب الاحتقان. وبين إيمان الساكنة بالقضاء المغربي وانتظارها لقرارات منصفة، يظل الرهان الحقيقي هو تحويل هذا الملف من مصدر توتر إلى فرصة لإعادة الاعتبار لثقافة الحقوق، وترسيخ قناعة مفادها أن الاحتجاج السلمي ليس جريمة، بل صمام أمان لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح.












