بقلم: وهيبة رابحيب
عيدا عن الصور النمطية المرتبطة بالبرازيل، يبرز صوت فانيسا دا ماتا كأحد أكثر الأصوات قدرة على ملامسة الأحاسيس، متجاوزا حدود القارات ليصل إلى المغرب. فبالنسبة لعشاق الموسيقى الذين ينصتون إلى نبض العالم، يمثل الاستماع إليها تجربة تجمع بين رهافة الشعور وعمق التعبير عن الحب والحرية.وتعد فانيسا من أبرز الأصوات النسائية التي أسهمت في تشكيل ملامح الموسيقى البرازيلية الحديثة منذ مطلع الألفية، ليس عبر خطاب نضالي صاخب، بل من خلال تجسيدها لفكرة التحرر الهادئ، الذي يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية بدل أن يُرفع كشعار.الفنانة، التي احتفلت بعيد ميلادها الخمسين في فبراير الماضي، تؤكد أن تجاربها المبكرة مع العلاقات غير المتوازنة دفعتها إلى تبني رؤية مختلفة للحب والاستقلالية، وهي رؤية تنعكس بوضوح في أعمالها الفنية، خاصة في ألبومها الأخير “Todas Elas” الصادر سنة 2025، حيث تستكشف أبعادا متعددة للأنوثة.وترى فانيسا أن داخل كل إنسان فراغا داخليا لا يمكن للآخرين ملؤه، ما يستدعي مواجهة الذات والتصالح مع مشاعر الغضب والإحباط كخطوة نحو النضج. وتؤكد أن الحب لا ينبغي أن يكون وسيلة للهروب من الذات، بل تجربة واعية تعزز فهمها.منذ انطلاقتها سنة 2002، أصدرت الفنانة حوالي عشرة ألبومات، مزجت فيها بين موسيقى البوب والإيقاعات البرازيلية التقليدية مثل السامبا والبوسا نوفا، مع تأثيرات من الريغي والفولك. وقد حققت عدة أغنيات لها نجاحا واسعا، من بينها “Amado” و“Ainda Bem” و“Não Me Deixe Só”، بينما شكلت أغنية “Boa Sorte” التي أدتها رفقة بن هاربر نقطة تحول في مسيرتها الدولية.ويميز أعمالها تداخل اللغتين البرتغالية والإنجليزية، ما يمنحها طابعا عالميا ساهم في انتشارها خارج البرازيل، ووصولها إلى جمهور متنوع، من ضمنه الجمهور المغربي.تنحدر فانيسا من ولاية ماتو غروسو، حيث شكلت التفاوتات الاجتماعية وواقع النساء في المناطق الداخلية جزءا من وعيها الفني والإنساني. وتؤكد أن هذه الخلفية أثرت في تصورها للحرية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها النساء في تلك المناطق.ورغم مواقفها الواضحة من قضايا المرأة، فإنها لا تصنف نفسها كناشطة بالمعنى التقليدي، بل تفضل وصف نفسها بـ”ما بعد النسوية”، مؤكدة أنها لا تطالب بحريتها، بل تعيشها. وفي هذا السياق، تشير إلى أن التقدم في مجال حقوق النساء لا يزال جزئيا، خاصة في ظل استمرار ظاهرة العنف المنزلي والحاجة إلى قوانين أكثر صرامة.على خشبة المسرح، تحافظ الفنانة على حضور مميز يجمع بين البساطة والأناقة، حيث تميل إلى أسلوب بوهيمي يعكس شخصيتها الفنية الحرة. أما في الإبداع، فتعتمد على الحدس، إذ تنشأ تعاوناتها الفنية غالبا بشكل عفوي، ولا تستبعد فكرة العمل مع فنان مغربي في المستقبل.وترى أن الموسيقى تمثل جسرا حقيقيا بين الثقافات، خاصة بين بلدان الجنوب مثل المغرب والبرازيل، شريطة أن تبقى حرة بعيدا عن التوظيف أو الرقابة. كما تحذر من اختزال الفن في مواقف أيديولوجية، معتبرة أن جوهره يكمن في التعبير عن القيم الإنسانية.ورغم أنها لم تحي حفلات في المغرب من قبل، إلا أن هذه الفكرة تظل حاضرة في طموحاتها، إذ تعبر عن رغبتها في زيارة البلاد، واصفة ذلك بحلم قديم تعزز بعد لقائها بأصدقاء مغاربة خلال مشاركتها في كرنفال بمدينة باراتي البرازيلية.في مسيرتها، لا تركز فانيسا على الجوائز، رغم تتويجها بـLatin Grammy Awards، بقدر ما تنشغل بتقديم فن صادق. فموسيقاها لا تبحث عن الإثارة، بل عن الوضوح، حيث يتحول الحب من فكرة مثالية إلى تجربة معاشة، وهو ما يمنح أعمالها قوتها وتأثيرها.












