مع إشراقة أيام رمضان المبارك، يستعيد محيط جامع حدادة بالمدينة القديمة لوجدة وهجه المعتاد، ليغدو قبلةً لعشاق الأناقة المغربية التقليدية الباحثين عن أزياء تحمل روح الشهر الفضيل وتستحضر عمق الهوية الشرقية. فبين الأزقة العتيقة التي تفوح بعبق التاريخ، تتحول واجهات الدكاكين إلى لوحات نابضة بالألوان والخامات، حيث تتجاور القطع التراثية مع لمسات عصرية تزيدها جاذبية دون أن تنزع عنها أصالتها.
وفي هذا الفضاء، يتوافد الزبناء من مختلف الأعمار لاقتناء أزياء “عروس الشرق” التي تشتهر بتفاصيلها الخاصة؛ من البلوزة الوجدية التي تعكس رقي المرأة الشرقية، إلى الشدة بألوانها الزاهية، مروراً بـالجابادور والعمائم والسراويل التقليدية، فضلاً عن الحايك الوجدي الذي يظل أيقونة بصرية تختزل وقار نساء جهة الشرق. ويكاد اقتناء هذه الألبسة يتحول إلى طقس رمضاني ثابت، لا تكتمل بدونه أجواء الاستعداد للزيارات العائلية وليالي العبادة والاحتفاء.
الصانع التقليدي أحمد ميري، الذي خبر المهنة لأزيد من ثلاثة عقود، يرى أن الحفاظ على مقومات الزي المغربي بوجدة “رسالة نبيلة” قبل أن يكون مجرد حرفة. ويؤكد أن ارتباطه بالمهنة إرث عائلي تلقاه عن والده، وأنه يشتغل بمهارات يدوية دقيقة تُظهر غنى الموروث المحلي، مع حرصه على تطوير بعض القطع عبر إدماج لمسات حديثة—مثل “الكيمونو” المزدان بطراز تقليدي—في محاولة للجمع بين جاذبية العصر وروح الأصالة.
ومن قلب الأسواق، تشير الصانعة التقليدية كريمة إلى أن الحركية التجارية التي تعرفها المدينة القديمة خلال رمضان تبرز الصناعة التقليدية كرافعة اقتصادية واجتماعية، وتمنح الحرفيين فرصة لعرض مهاراتهم وتمرير الرموز التراثية للأجيال الصاعدة. أما فاطمة، المتخصصة في الخياطة التقليدية، فتوضح أن الاستعدادات تبدأ مبكراً منذ رجب وشعبان لتلبية الأذواق المتنوعة قبل حلول ليلة القدر، مؤكدة أن البلوزة الوجدية تمر بمراحل دقيقة من “الخدمة” اليدوية وتتطلب وقتاً ومهارة عالية.
ولم تعد هذه القطعة حكراً على السيدات المتقدمات في السن، إذ شهدت “طفرة عصرية” جعلتها خياراً مفضلاً لدى الشابات بفضل القصات المتجددة والتصاميم الجذابة، خصوصاً في ليلة السابع والعشرين من رمضان التي تحرص خلالها عائلات كثيرة على إلباس بناتها البلوزة في أجواء احتفالية بهيجة. وهكذا، تواصل وجدة استقبال رمضان بروحها المعهودة: مدينة تعيش حاضرها متمسكة بجذورها، وتؤمن بأن صون الحرف وتطويرها ليس فقط حمايةً للتراث، بل استثمارٌ في ذاكرة جماعية تزداد بريقاً في المناسبات الدينية.












