لا يقتصر شهر رمضان على أبعاده الروحية فقط، بل يشكل أيضا مناسبة مهمة لإعادة النظر في العادات الغذائية ونمط الحياة اليومي. فالصيام، حين يقترن بتوازن في الأكل وتنظيم في الوجبات، يمكن أن يمنح الجسم فرصة للراحة وتحسين وظائفه الهضمية والتمثيلية.
ويرى مختصون في مجال التغذية أن هذا الشهر الفضيل قد يكون فرصة حقيقية لاعتماد أسلوب غذائي أكثر وعيا، يقوم على الاعتدال وتفادي الإفراط، بما يساعد على ترسيخ ممارسات صحية تمتد حتى بعد انتهاء رمضان.
وفي المقابل، تعرف منصات التواصل الاجتماعي خلال هذه الفترة انتشارا واسعا لوصفات وعادات غذائية توصف بـ”الصحية”، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى دقتها العلمية وتأثيرها الفعلي على صحة الصائمين.
وفي هذا السياق، أوضحت أخصائية التغذية والحمية أميمة النية، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن بعض الممارسات الرائجة قد تحمل فوائد نسبية، بينما قد تكون أخرى مضللة أو غير مناسبة للجميع، مؤكدة أن التوازن يظل الأساس في أي نظام غذائي صحي خلال رمضان.
وبخصوص تزايد استخدام المقلاة الهوائية خلال الشهر الفضيل، اعتبرت الخبيرة أنها تمثل خيارا أفضل من القلي التقليدي، لأنها تقلل من كمية الدهون المستعملة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن طريقة الطهي وحدها لا تكفي لجعل الوجبة صحية، إذ يبقى نوع المكونات وجودتها عاملا أساسيا. وأوصت بالاعتماد على الأطعمة الطازجة، مثل الخضر والأسماك واللحوم البيضاء، مع تفادي المنتجات المصنعة بشكل مفرط.
أما بخصوص المشروبات التي يتم الترويج لها على أنها “منقية” للجسم، مثل الماء الساخن بالليمون والزنجبيل، فقد حذرت الأخصائية من اعتبارها حلا صحيا ثابتا، مبرزة أن الجسم يمتلك بشكل طبيعي أعضاء تقوم بوظيفة التنقية، وعلى رأسها الكبد والكليتان. كما أن تناول هذه المشروبات بشكل يومي، خاصة على معدة فارغة، قد يسبب تهيجا لدى بعض الأشخاص ويزيد من اضطرابات الجهاز الهضمي.
وفي ما يتعلق بالنقوعات والأعشاب المتداولة على أنها مفيدة للصحة، أكدت النية أن فعاليتها قد تختلف من شخص إلى آخر، وأن استعمالها ينبغي أن يتم بحذر ووفق خصوصية كل جسم، دون مبالغة أو تعميم.
وأشارت المتحدثة إلى أن تزايد الحديث عن “رمضان الصحي” يرتبط بارتفاع الأمراض الناتجة عن سوء التغذية، مثل السمنة وداء السكري، معتبرة أن رمضان يمكن أن يكون محطة مناسبة لإعادة التوازن الغذائي، إذا تم التعامل معه بوعي وانضباط.
ودعت الخبيرة إلى التعامل بحذر مع المحتوى الغذائي المنتشر عبر الإنترنت، وعدم الانسياق وراء الوعود السريعة أو الأنظمة الصارمة أو المكونات التي تقدم على أنها “سحرية”، مشددة على أهمية التأكد من كفاءة الأشخاص الذين يقدمون النصائح الغذائية.
وفي ما يخص النصائح العملية لصيام صحي، أوصت ببدء الإفطار بكمية قليلة من الماء مع تمرة إلى ثلاث تمرات، ثم التريث لبضع دقائق قبل تناول الوجبة الرئيسية، حتى يستعيد الجهاز الهضمي نشاطه بشكل تدريجي. كما شددت على أهمية التخطيط المسبق للوجبات، لما لذلك من دور في تفادي الإفراط وتحقيق التوازن الغذائي.
كما نصحت باعتماد طبق متوازن يضم الخضر بمختلف أشكالها، إلى جانب مصدر للبروتين مثل السمك أو الدجاج أو البيض أو اللحم، مع إضافة النشويات الكاملة والحرص على اختيار الدهون الصحية كزيت الزيتون والمكسرات والأفوكادو، مقابل التقليل من المقليات والدهون الثقيلة.
وفي ما يتعلق بالحلويات الرمضانية التقليدية، مثل الشباكية وسلو والبريوات، أوضحت أنه لا مانع من تناولها بين الفينة والأخرى، لكن بكميات معتدلة، لتفادي الارتفاع المفاجئ لنسبة السكر في الدم، خاصة بعد ساعات طويلة من الصيام.
أما على مستوى الترطيب، فأكدت الأخصائية على ضرورة شرب الماء بشكل موزع بين الإفطار والسحور، بما يتناسب مع حاجة الجسم وحالة الطقس والنشاط البدني، مع الانتباه إلى بعض العلامات التي قد تدل على نقص الترطيب، مثل الصداع المستمر أو التعب الشديد أو تغير لون البول.
وختمت أميمة النية بالتأكيد على أن رمضان الصحي لا يقوم على وصفات سريعة أو حلول جاهزة، بل على تبني عادات بسيطة ومتوازنة ومستدامة، تنسجم مع احتياجات كل فرد ونمط حياته.












