تمثل أسماء أيت السي واحدة من النماذج النسائية المغربية التي استطاعت أن تشق طريقها بثبات في العمل الدولي والإنساني، مستندة إلى الاجتهاد والمثابرة والإيمان العميق بقيمة الالتزام في خدمة القضايا الإنسانية الكبرى.
وُلدت أسماء بمدينة آسفي، ونشأت بين بني ملال ومراكش، في ظل تنقلات أسرية فرضها اشتغال والديها في القطاع الصحي، وهو ما أتاح لها الاحتكاك منذ وقت مبكر بواقع اجتماعي متنوع، وأسهم في تشكيل شخصيتها وتوسيع نظرتها للحياة. وتؤكد أن انتماءها العائلي المتعدد، بين جذور مكناسية فاسية من جهة الأم وأصول سوسية من جهة الأب، منحها غنى إنسانيا وثقافيا وجعلها أكثر وعيا بقيم العطاء والخدمة دون تمييز.
غير أن التأثير الأكبر في مسارها، كما تقول، جاء من والدتها التي اشتغلت في مجال حماية الأطفال المتخلى عنهم، وأسهمت في بناء آليات متكاملة للتكفل بهذه الفئة، وهو ما ترك بصمة قوية في وجدانها، ودفعها إلى التوجه نحو القضايا الإنسانية وخدمة الفئات الهشة.
وتؤكد أسماء أيت السي أن والديها آمنا دائما بقدرة المرأة على بلوغ أرفع المراتب متى توفرت لها الإرادة والعزيمة والدعم، وهو الإيمان الذي شكل لها سندا معنويا في مختلف مراحل مسارها الدراسي والمهني.
وبعد إنهاء دراستها الابتدائية والثانوية بالمغرب، واصلت مسارها الأكاديمي في الخارج، حيث حصلت على درجة الماجستير في الإدارة الدولية من جامعة ليفربول بالمملكة المتحدة، وهي محطة تعتبرها حاسمة في حياتها، لأنها فتحت أمامها آفاقا جديدة وأتاحت لها الانخراط في بيئات متعددة الثقافات والتجارب، خاصة في العالم العربي وكندا.
واستهلت أيت السي مسيرتها المهنية في مجالي التسويق والسياحة، غير أنها سرعان ما أدركت أن ميولها الحقيقية تتجه نحو العمل الإنساني والانخراط في المبادرات ذات البعد الدولي. ومن هذا المنطلق، التحقت سنة 2008 بمنظمة الأمم المتحدة، من خلال مكتبها في دولة الكويت، حيث تقلدت عددا من المسؤوليات وشاركت في إعداد وإطلاق برامج استراتيجية، إلى جانب تطوير شراكات ومبادرات مرتبطة بالتنمية المستدامة والتوعية المجتمعية.
وتشغل أسماء حاليا مهمة مسؤولة الإعلام العام ومطورة برامج التوعية للتنمية المستدامة بمنظمة الأمم المتحدة في الكويت، وهو موقع يتيح لها الإسهام في قضايا تتجاوز الحدود الوطنية، والانخراط في عمل أممي يلامس رهانات إنسانية وتنموية كبرى.
وترى المسؤولة الأممية أن المرأة المغربية ليست جديدة على فضاءات القيادة والعمل الدولي، بل هي امتداد لإرث حضاري عريق، حملت فيه المغربيات عبر التاريخ مشاعل العلم والنضال والعطاء، وواصلن اليوم حضورهن بثقة في المؤسسات الدولية والمنتديات الدبلوماسية.
وفي نظرها، فإن الظرفية الدولية الراهنة، بما تحمله من أزمات وتحولات، تجعل حضور المرأة في مراكز القرار الدولي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، ليس فقط باعتباره حقا مشروعا، بل أيضا باعتباره ضرورة استراتيجية في عالم يواجه اختبارات كبرى على مستوى العمل متعدد الأطراف.
كما تؤكد أن المغرب يحتل مكانة متميزة باعتباره صلة وصل بين إفريقيا والعالم العربي والفضاء المتوسطي، وهو ما يجعل من نسائه المؤهلات طاقات قادرة على تمثيل المملكة بجدارة في المحافل الدولية، إذا ما توفرت لهن فرص أكبر للدعم والمواكبة.
وأشارت إلى أن المغرب حقق خلال العقود الأخيرة خطوات مهمة في مجال تمكين المرأة، بفضل الإصلاحات التشريعية والرؤية الملكية التي وضعت المرأة في صلب مشروع التنمية، مبرزة أن حضورها في مناصب المسؤولية أصبح واضحا، وإن كان تعزيز تمثيليتها في مواقع القرار العليا ما يزال يتطلب مزيدا من الاستثمار والثقة والدعم المؤسساتي.
وترى أسماء أيت السي أن أحد أكبر الرهانات المطروحة اليوم يتمثل في تعزيز ثقة الفتيات المغربيات بأنفسهن منذ المراحل الأولى من التكوين، مع ضرورة توفير نماذج ملهمة قريبة منهن، حتى يترسخ لديهن الإيمان بأن الطموح مشروع، وأن الوصول إلى مواقع التأثير ليس أمرا مستحيلا.
وفي ختام حديثها، تؤكد أن المغربيات المقيمات بالخارج يتحملن مسؤولية مزدوجة، تتمثل من جهة في تمثيل المغرب وقيمه في الفضاءات الدولية، ومن جهة أخرى في نقل الخبرات والتجارب والشبكات التي راكمنها إلى بلدهن الأصلي، بما يسهم في دعم قضايا التمكين وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال الصاعدة.












