كشف تقرير مؤشر “برتلسمان للتحول 2026” عن مفارقة لافتة في الاقتصاد المغربي، حيث تتجاور مؤشرات الاستقرار الماكرو-اقتصادي مع واقع اجتماعي صعب، ما يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي المرتبط بالإنجازات الاقتصادية وظروف العيش اليومية لفئات واسعة من المواطنين.
وأوضح التقرير أن المغرب حقق نتائج إيجابية على مستوى الاستقرار المالي والنقدي، بفضل سياسات مكنت من التحكم في عجز الميزانية والحفاظ على توازنات الاقتصاد الكلي، غير أن هذه المكاسب لم تنعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية، التي تأثرت بتوالي موجات التضخم، خاصة لدى الطبقة الوسطى والفئات الهشة.
وفي تقييمه للأداء الاقتصادي، أشار التقرير إلى أن النمو المسجل يظل محدود الأثر من حيث الإدماج الاجتماعي، نظراً لتمركزه في قطاعات تنافسية دولياً لكنها لا تستوعب سوى نسبة ضئيلة من اليد العاملة، وهو ما يساهم في استمرار معدلات بطالة مرتفعة، خصوصاً في صفوف الشباب.
وسجلت الوثيقة أن النموذج الاقتصادي الحالي يميل إلى تفضيل الاستثمار الرأسمالي على حساب خلق فرص الشغل، ما يحد من قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين، ويعمق أزمة البطالة.
كما أبرز التقرير استمرار التفاوتات المجالية، حيث تتركز الثروة والإنتاج في عدد محدود من الجهات، مقابل استمرار الهشاشة وضعف البنيات التحتية في مناطق أخرى، ما يعمق الفوارق التنموية بين مختلف مناطق المملكة.
وفي ما يتعلق بالنسيج المقاولاتي، أشار التقرير إلى أن المقاولات الصغيرة جداً تعاني من صعوبات كبيرة في الولوج إلى التمويل، ما يجعلها أكثر عرضة للهشاشة والإفلاس، ويحد من دورها في خلق القيمة المضافة وفرص الشغل. وفي المقابل، يظل القطاع غير المهيكل ملاذاً لعدد مهم من النشيطين، في ظل غياب تحفيزات كافية للاندماج في الاقتصاد المنظم.
وسلط التقرير الضوء أيضاً على بعض الممارسات المرتبطة باقتصاد الريع وتضارب المصالح، والتي تعرقل المنافسة وتحد من بروز فاعلين اقتصاديين جدد، مما يؤثر سلباً على دينامية السوق.
وفي سياق متصل، أكد التقرير أن ورش الحماية الاجتماعية، رغم أهميته، يواجه تحديات حقيقية على مستوى التمويل والاستدامة، في ظل ضعف البنية التحتية الصحية ونقص الموارد البشرية، ما قد يحد من فعاليته على المدى المتوسط.
كما نبهت الوثيقة إلى التحديات البيئية، وعلى رأسها أزمة الماء وتوالي سنوات الجفاف، التي تؤثر بشكل مباشر على القطاع الفلاحي، وتفاقم ظاهرة الهجرة القروية نحو المدن.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن توجه المغرب نحو الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر يمنحه موقعاً استراتيجياً على المستوى الدولي، غير أن تحقيق السيادة الطاقية يتطلب استثمارات كبيرة قد تشكل ضغطاً إضافياً على المالية العمومية.
أما بخصوص الاستثمارات الأجنبية، فقد أوضح التقرير أنها تظل مركزة في قطاعات التصدير، دون أن تحقق الأثر المطلوب في نقل التكنولوجيا وتعزيز قدرات الاقتصاد الوطني.
وخلص التقرير إلى أن استدامة الاستقرار الاقتصادي بالمغرب تظل رهينة بتحقيق عدالة اجتماعية حقيقية، تقوم على تقليص الفوارق وضمان توزيع أكثر إنصافاً لثمار النمو، حتى يصبح هذا الأخير ملموساً في حياة المواطنين، وليس مجرد مؤشرات رقمية.












