احتضن مقر المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” بقرطاج، اليوم الأربعاء، ندوة فكرية جمعت باحثين تونسيين ومغاربة لمناقشة العلاقة المعقدة بين التاريخ والسرد الأدبي، من خلال الأدب التونسي المكتوب بالفرنسية، وذلك في إطار لقاء علمي يسعى إلى مساءلة حدود التداخل بين الوقائع التاريخية والخيال الأدبي.
وسلطت الندوة، التي حملت عنوان “التاريخ على محك الأدب التونسي الفرنكفوني”، الضوء على مجموعة من الأسئلة المرتبطة بقدرة الأدب على الإسهام في فهم مناطق الغموض في التاريخ، وعلى منح الوقائع التاريخية أبعادا إنسانية وروحية عبر السرد والتخييل، دون السقوط في تبرير الأحداث أو إعادة إنتاجها بشكل مباشر.
وفي هذا السياق، أبرز أستاذ الأدب الفرنسي والفرنكفوني بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بمنوبة، سمير المرزوقي، أن الأدب يمتلك قدرة خاصة على نقل أثر الأحداث ووقعها النفسي والوجداني، بخلاف المؤرخ الذي يظل مقيدا بواجب الموضوعية والسعي إلى عرض الوقائع كما حدثت. وتوقف في مداخلته عند رواية “أوجوردوي” للكاتبة كوليت فلوس، مستحضرا الطريقة التي أعادت بها الكاتبة استرجاع يوم 5 يونيو 1967 من زاوية تجربتها الشخصية كفتاة يهودية في تونس، وكيف تحول هذا التاريخ في وعيها إلى لحظة فاصلة أعادت تشكيل نظرتها إلى ما قبلها وما بعدها.
من جهته، تناول الأستاذ بجامعة القاضي عياض محمد حبيب الله، في مداخلته المعنونة بـ”من يملك الماضي؟”، أعمال الكاتب التونسي عبد الوهاب المؤدب، مبرزا أن التاريخ لا يقتصر على حفظ الماضي فحسب، بل يساهم أيضا في بنائه وصياغته من خلال فعل السرد. وأوضح أن الكتابة التاريخية نفسها تقوم على ترتيب الأحداث وربطها ومنحها معنى، وهو ما يجعل العلاقة بين التاريخ والأدب علاقة متداخلة ومعقدة. كما أشار إلى أن المؤدب لا ينظر إلى التاريخ باعتباره مادة جامدة، بل يراه حيا ومتحركا يتجدد عبر الاستعادة والترجمة والكتابة.
أما الباحثة المغربية حنيفة علوي، فقد خصصت مداخلتها، التي قدمتها عن بعد، لرواية “تمثال الملح” للكاتب التونسي اليهودي ألبير ممي، مبرزة كيف يمكن للسيرة الذاتية أن تتحول إلى وثيقة ذات قيمة تاريخية، وإلى شكل من أشكال الأرشيف المكمل. وأوضحت أن الانتقال من التعبير عن الذات بصيغة المفرد إلى الحديث بضمير الجماعة يجعل من المسار الفردي امتدادا لذاكرة جماعية، ويكشف كيف تتحول الكتابة عن الذات إلى ممارسة ترتبط بسياسة الذاكرة وإعادة بناء التاريخ من الداخل.
وفي مداخلة أخرى، توقف الشاعر والكاتب التونسي الطاهر البكري عند تجربة الكتابة أو إعادة كتابة التاريخ من منطلق الشهادة، سواء من خلال ما يفرضه المنفى والمكان من أسئلة وتأملات، أو عبر رصد وقائع يومية مرتبطة بالانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون، مؤكدا أن النص الأدبي يظل مجالا خصبا لالتقاط ما قد يعجز الخطاب التاريخي المباشر عن التعبير عنه.
وتتواصل أشغال هذه الندوة على مدى يومين، من خلال جلسات تناقش أعمالا أدبية مختلفة، بهدف الوقوف عند الكيفية التي نجح بها عدد من الكتاب في المزاوجة بين المادة التاريخية والشرط الجمالي للإبداع، بما يعكس ثراء الأدب التونسي الفرنكفوني وقدرته على مساءلة التاريخ وإعادة قراءته من زوايا إنسانية وفكرية متعددة.












