انطلقت اليوم الثلاثاء بمدينة آسفي أشغال الدورة الثانية من المؤتمر الدولي “الخطاب والسياق”، الذي يضع في صلب اهتمامه دراسة تحولات الأشكال الخطابية وتعدد استعمالات اللغة داخل السياقات الاجتماعية، وما ينتج عنها من بناء للمعنى وتشكيل للتأثير وصياغة للمعرفة. ويشارك في هذا اللقاء العلمي نخبة من الأكاديميين والباحثين وطلبة الدكتوراه من داخل المغرب وخارجه، في تظاهرة تمتد إلى غاية 30 أبريل الجاري.ويُنظم هذا المؤتمر من طرف مختبر “اللغات، التواصل، المجتمع وهندسة التكوين” التابع للكلية متعددة التخصصات بآسفي (جامعة القاضي عياض)، بشراكة مع مؤسسات جامعية وهيئات علمية وطنية ودولية، تحت شعار: “الأشكال الخطابية وتحولات السياق: رؤى متقاطعة”. ويهدف إلى مساءلة التحولات العميقة التي تعرفها الخطابات في ظل العولمة والتحول الرقمي وتغير مفاهيم الهوية وانسيابيتها.وخلال حفل الافتتاح، أكد عميد الكلية متعددة التخصصات بآسفي، عبد الصمد شريف، أن هذا المؤتمر ينعقد في سياق عالمي متسارع يشهد تغيّرات جوهرية تمسّ البنى الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية والسياسية، وهو ما ينعكس مباشرة على أشكال الخطاب وتطوره. وأضاف أن تحليل هذه التحولات أصبح اليوم من القضايا العلمية الأساسية التي تحظى باهتمام متزايد داخل الأوساط الأكاديمية.كما أبرز أن حضور باحثين من دول متعددة وتنوع المداخلات يعكس البعد الدولي المتنامي للمؤتمر، ويُسهم في خلق فضاء للحوار العلمي وتبادل الرؤى بين تخصصات مختلفة ومقاربات متعددة. واعتبر أن هذه التظاهرة تشكل أيضا فرصة لتعزيز التعاون الأكاديمي وتبادل الخبرات والانفتاح على آفاق بحثية جديدة، إلى جانب دعم مسار طلبة الدكتوراه والباحثين الشباب وتثمين إنتاجاتهم العلمية.من جهتها، أوضحت إيمان الفارسي، مديرة مختبر “اللغات، التواصل، المجتمع وهندسة التكوين” ومنسقة المؤتمر، أن هذا اللقاء العلمي يسعى إلى تفكيك إشكالات التحولات المعاصرة، خاصة ما يرتبط بالأبعاد الرقمية والسوسيو-ثقافية والبيئية والجيوسياسية، وتحليل تأثيرها على بنية الخطاب في مختلف تجلياته: الإعلامية والسياسية والاجتماعية والرقمية.وأضافت أن المؤتمر يطرح أيضا سؤال العلاقة بين الخطاب بوصفه منتِجا للواقع الاجتماعي، والسياق باعتباره عاملا موجها لإعادة تشكيل أنماط التعبير، مما يتيح فضاء للتقاطع المعرفي وتبادل الخبرات بين أساتذة وباحثين وطلبة من خلفيات أكاديمية متنوعة.وفي إطار البرنامج العلمي، شهد اليوم الأول محاضرة علمية حول “آثار السيميائية الهجينة: الكتابة”، ألقاها الأستاذ الفخري بجامعة لييج البلجيكية، جون ماري كلينكانبورغ، حيث تناول فيها فكرة أن المعايير اللغوية هي في جوهرها اختيارات اجتماعية ضمن إمكانيات يتيحها النظام اللغوي. وأكد أن الكتابة تلعب دورا مركزيا في تثبيت هذه الاختيارات وتوحيدها عبر أدوات مرجعية مثل المعاجم والقواعد والمناهج التعليمية.كما ناقش عدد من الباحثين القادمين من إفريقيا وأوروبا قضايا إعادة تشكيل الخطاب في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية والإعلامية، ودوره في إنتاج الشرعية وبناء الهويات وتنظيم علاقات القوة داخل المجتمع.وفي تصريح إعلامي، اعتبر الأستاذ الفخري بجامعة السوربون الفرنسية، دومينيك ماينغينو، أن دراسة الخطاب باعتباره ممارسة اجتماعية للغة أصبحت اليوم من القضايا المركزية في العالمين الشمالي والجنوبي، مشيدا بتنظيم هذا المؤتمر في المغرب باعتباره فضاءً للتلاقي والحوار بين الثقافات، خصوصا بين إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا.من جانبه، أشار ميبيان-أكونو بامفيل، أستاذ بجامعة عمر بونغو في الغابون، إلى أن تحليل الأشكال الخطابية يكتسي أهمية خاصة في فهم كيفية بناء الفكر وتنظيمه عبر اللغة، خاصة داخل سياقات اجتماعية وثقافية وتواصلية محددة.وعرف اليوم الأول أيضا تنظيم جلسات علمية تناولت موضوعات متعددة، من بينها تحولات الممارسات الخطابية في العصر الرقمي وانعكاساتها الهوياتية والتعليمية والسوسيو-سياسية، وديناميات بناء الشرعية وإعادة تشكيل الهويات في الخطابات السياسية والاجتماعية والفنية، إضافة إلى قضايا الوساطة الخطابية والأخلاق وعلاقات السلطة داخل المؤسسات والمجتمع.وعلى المستوى الأكاديمي، تميزت هذه الدورة بحجم المشاركة الواسع، حيث استقطبت 235 مشاركا يمثلون 29 دولة، قدموا 184 ورقة علمية موزعة على 32 جلسة موضوعاتية، ما يعكس الزخم العلمي للمؤتمر وثراء محاوره.ويؤكد هذا الإقبال الأكاديمي مكانة الكلية متعددة التخصصات بآسفي وجامعة القاضي عياض كفاعل علمي بارز وقطب بحثي ذي إشعاع دولي.وبموازاة الجلسات العلمية، يتضمن برنامج المؤتمر أنشطة ثقافية موازية، من بينها أمسية فنية تحتفي بالموسيقى التراثية المحلية لآسفي، إلى جانب زيارات ميدانية لاكتشاف مكونات التراث اللامادي للمدينة، في مزج بين البعد الأكاديمي والانفتاح الثقافي.












