تواجه مهنة الرعي الترحالي بالمغرب تحديات متزايدة تهدد استمرارها، في ظل تراكم آثار سنوات الجفاف، وارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل، إلى جانب صعوبات إدارية مرتبطة بتنقل الكسابة بين مختلف الأقاليم بحثا عن الماء والكلأ.
ورغم التحسن النسبي الذي عرفته بعض المراعي بفعل التساقطات المطرية الأخيرة، لا تزال فئات واسعة من الرحل تعتبر أن القطاع لم يتعاف بعد من تداعيات سنوات القحط الطويلة، التي أثرت بشكل مباشر على القطيع الوطني وعلى القدرة المعيشية للكسابة.
وتؤكد معطيات من داخل الوسط الرعوي أن الإشكالات لا ترتبط فقط بالعوامل المناخية، بل تمتد إلى طريقة تنزيل بعض برامج الدعم، حيث يجد عدد من الرحل صعوبة في استكمال الإجراءات الإدارية بسبب اشتراط العودة إلى مناطق الإحصاء أو الترقيم، رغم تنقلهم المستمر بين الجهات حسب توفر الموارد الطبيعية.
ويطرح هذا الوضع، وفق عدد من المهنيين، ضرورة ملاءمة المساطر الإدارية مع خصوصية نمط عيش الرحل، عبر اعتماد رقمنة المعطيات وتمكين الكساب من استكمال ملفاته في مكان تواجده الحالي، دون إلزامه بنقل القطيع لمسافات طويلة وما يرافق ذلك من مصاريف إضافية.
كما يشكل ارتفاع أسعار الأعلاف أحد أبرز العوامل الضاغطة على الكسابة، خاصة بعد تراجع استفادتهم من الأعلاف المدعمة بالشكل الذي كان معمولا به سابقا. ويرى مهنيون أن الدعم المالي المباشر لا يحقق دائما الأثر المطلوب، بسبب ارتفاع الأسعار في السوق واستفادة الوسطاء والموردين بشكل أكبر من هذه الوضعية.
وتزداد الصعوبات مع ارتفاع تكاليف النقل والمحروقات، إذ أصبحت عملية الترحال أكثر كلفة من السابق، ما ينعكس في النهاية على أسعار المواشي واللحوم. كما يشتكي الكسابة من هيمنة الوسطاء على سلسلة التسويق، حيث لا يستفيد المنتج الحقيقي من الزيادات التي تصل إلى المستهلك النهائي.
وبالإضافة إلى الجانب الاقتصادي، يثير الرحل إشكالات مرتبطة برخص التنقل واستغلال المراعي، معتبرين أن بعض الإجراءات المعمول بها لا تراعي واقع الترحال، ولا توفر بالمقابل البنيات الضرورية من ماء ومراعي منظمة ومسارات واضحة.
ويحذر متابعون للقطاع من أن استمرار هذه الوضعية قد يدفع مزيدا من الشباب إلى التخلي عن مهنة الأجداد، والبحث عن فرص عمل أكثر استقرارا داخل المدن، خاصة في ظل ضعف جاذبية النشاط الرعوي وما يرافقه من مشقة يومية وضغوط اجتماعية وإدارية.
وفي ظل هذه التحديات، تتعالى مطالب الرحل بضرورة مواصلة دعم الأعلاف، وتبسيط مساطر الاستفادة من البرامج العمومية، وتنظيم الأسواق للحد من المضاربات، مع اعتماد مقاربة تراعي خصوصية هذه الفئة التي تشكل جزءا مهما من الذاكرة الاجتماعية والاقتصادية للمجالات القروية والجبلية بالمغرب.












