أكد مشاركون في ندوة فكرية احتضنتها فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، أن أحياء “الملاح” بالمغرب تمثل جزءا أصيلا من الذاكرة الجماعية والهوية المغربية المتعددة، باعتبارها فضاءات تاريخية احتضنت الوجود اليهودي وأسهمت في تشكيل ملامح التعايش الثقافي والديني داخل المجتمع المغربي عبر قرون.
الندوة، المنظمة تحت عنوان “الملاح في السياق المغربي.. الذاكرة والهوية والفضاء الحضري”، سلطت الضوء على الخصوصيات الاجتماعية والعمرانية والثقافية لهذه الأحياء، التي شكلت فضاءات للحياة الدينية والاجتماعية لليهود المغاربة، كما عكست خصوصية الهوية اليهودية المغربية من خلال العادات والتقاليد وأنماط العيش المشتركة.
وفي هذا السياق، أبرز دافيد توليدانو أن الحضور اليهودي في المغرب لم يكن محصورا في المدن الكبرى فقط، بل امتد إلى الموانئ الساحلية والمراكز التجارية والمناطق الصحراوية والقرى، ما يعكس صورة المغرب كأرض للتعدد والانفتاح، احتضنت اليهود لأزيد من ألفي سنة.
وأوضح توليدانو أن “الملاح” كان فضاء منظما ذاتيا، حيث تولت هيئات داخلية تدبير شؤون الجالية اليهودية، من بينها الشيخ والنجيد والمعماد، إلى جانب الحاخامات الذين كانوا يشرفون على تطبيق القوانين الدينية اليهودية وتنظيم الحياة اليومية داخل هذه الأحياء.
كما استحضر المتحدث عددا من تفاصيل الحياة اليومية داخل “الملاح”، من قبيل إغلاق المحلات التجارية قبل حلول يوم السبت، ونظام القضاء العبري الخاص بالأحوال الشخصية والميراث، فضلا عن دور “البراح” في إيقاظ السكان للصلاة، وهي مظاهر تعكس غنى التنظيم الاجتماعي والثقافي الذي ميز هذه الفضاءات.
من جانبه، تناول هشام الركيك البعد العمراني والتاريخي لـ”الملاح”، مشيرا إلى أن هذا الفضاء لم يحظ بما يكفي من الدراسات المتعلقة بجوانبه المادية والمعمارية، حيث ظل غالبا مرتبطا بالذاكرة الانتقائية والصور النمطية.
وأكد الركيك، مؤلف كتاب “الملاح فضاء وعمران من وحي عقد الذمة”، أن “الملاح” يعد مؤسسة عمرانية مغربية خالصة لا نظير لها في المشرق أو الأندلس أو باقي دول المنطقة، موضحا أن أول ظهور لهذا المصطلح كان بمدينة فاس خلال العصر المريني، قبل أن ينتشر لاحقا في مدن أخرى مثل مراكش ومكناس ثم المدن الساحلية كـالرباط وسلا وتطوان والصويرة.
بدوره، تطرق الباحث في التاريخ والتراث أحمد بومزكو إلى خصوصيات “الملاح” بمنطقة سوس والجنوب المغربي، موضحا أن هذه الأحياء تميزت بطابعها القروي والجَبلي وانفتاحها الكبير على محيطها القبلي، حيث عاش اليهود والمسلمون ضمن علاقات قائمة على التعايش وتبادل المصالح والتكافل الاجتماعي تحت حماية الأعراف المحلية.
وشكلت الندوة مناسبة للتأكيد على أهمية الحفاظ على الذاكرة المشتركة للمغاربة بمختلف مكوناتها الثقافية والدينية، باعتبارها جزءا من الهوية الوطنية التي تقوم على قيم التعدد والتعايش والانفتاح.












