يدشن الكاتب عبد الوهاب الرامي، من خلال روايته الجديدة “تفاصيل الحلم الأخير”، مرحلة مختلفة في مساره الأدبي والسردي، عبر عمل روائي يقوم على التجريب الواعي، ويمد جسورا بين الأدب وعلوم التواصل والواقع الاجتماعي المعاصر.
وتندرج الرواية، الصادرة حديثا عن منشورات بيت الحكمة في 336 صفحة، ضمن الأعمال التي تمزج بين الإبداع الروائي والمعرفة الأكاديمية، خاصة أن صاحبها راكم تجربة طويلة في تدريس علوم التواصل بمعهد الإعلام والاتصال.
وقد انعكست هذه الخلفية المعرفية على بناء النص، الذي جاء هجينا وعابرا للأجناس، يعتمد على بنية سردية مفتوحة تدعو القارئ إلى قراءة يقظة ومتفاعلة.
وتتمحور الرواية حول شخصيات رئيسية، من بينها وسيلة، التي تشكل نقطة مركزية في شبكة العلاقات، إلى جانب أمين ورجاء وشخصيات أخرى، داخل فضاء رئيسي هو شركة الإعلانات التي تعمل بها وسيلة وأمين.
غير أن العلاقات بين هذه الشخصيات لا تبقى محصورة في إطارها المهني أو العاطفي، بل تتحول إلى نافذة على الحياة، وإلى مجهر دقيق يكشف تفاصيل الإنسان وتناقضاته وأسئلته الداخلية.
وبعد أعماله السابقة “سنة بين القطارين”، و”الموظف”، و”تل الخزامى”، يقدم الرامي في “تفاصيل الحلم الأخير” رواية تفاعلية موجهة إلى قارئ يعيش داخل عالم جديد تشكلت ملامحه بفعل شبكات التواصل الاجتماعي.
ويؤكد الكاتب أن هذا العمل يمثل أكثر نصوصه السردية نضجا من حيث تصوره للحياة وللرواية، باعتباره رواية أطروحات ضمن أطروحة كبرى، تستلهم أدوات علوم التواصل وتعيد توظيفها في بناء سرد روائي ورقي تفاعلي.
وتقوم الرواية على تعدد الأصوات، حيث تتداخل وجهات نظر الراوي والروائي والشخصيات، بما يتيح إضاءة العوالم النفسية والاجتماعية للشخصيات، وكشف أحلامها وانكساراتها ومكبوتاتها.
كما يفتح الكاتب المجال لتعليقات وهوامش وإحالات خارجية، تجعل النص أكثر انفتاحا على التأويل، وتمنح القارئ دورا في إعادة تركيب المعنى.
ويرى الرامي أن التواصل بين الناس في الحياة اليومية لا يتم بشكل خطي، كما هو الحال في الرواية التقليدية، لذلك اختار أن يعيد للحكي عفويته عبر تفكيك الحوار، وتداخل الأفكار، وحضور الحوارات الداخلية والمحكيات الجانبية.
وتستعير الرواية تقنيات متعددة، من بينها التحقيق الذهني، والسرد الوظيفي، والاستطلاع، مع صهرها داخل لغة أدبية تسعى إلى مساءلة الوجود والعلاقات الإنسانية.
وفي قراءة أولية للعمل، يرى الكاتب والصحفي عبد الصمد بنشريف أن الرواية تقوم على وعي حاد بإشكالية الوجود، حيث لا تقدم الحياة كمسار خطي، بل كحركة دائمة بين الأضداد، في نص يجعل من النسبية مفتاحا لفهم الشخصيات والأحداث.
ويعتبر بنشريف أن الرواية تقدم تشريحا دقيقا لشخصيات تعيش صراعاتها الخاصة، مثل وسيلة التي تعكس الانكسارات وصعوبة الاختيار، وأمين الذي يتأرجح بين التجربة العاطفية والتأمل، ورجاء التي تمثل شخصية منفتحة على الحياة والحاضر.
كما يبرز أن تعدد الأصوات في الرواية لا يمنح السارد وحده حق امتلاك الحقيقة، بل يجعل الرؤية السردية مشتركة بين الشخصيات، بما يكرس نسبية الحقيقة ويفتح النص على قراءات متعددة.
وتتميز “تفاصيل الحلم الأخير” أيضا بتعدد مستوياتها اللغوية، إذ تجمع بين اللغة الرومانسية في المقاطع الوجدانية، واللغة التقريرية في تتبع الوقائع، واللغة الفلسفية التي تستخلص الأسئلة الكبرى من معاناة الإنسان وخوائه الداخلي.
وبذلك، تقدم الرواية عالما سرديا متشابكا، تتقاطع فيه النجاحات والخيبات، والوفاء والخيانة، والانكسارات والأحلام المؤجلة، في عمل تفاعلي يراهن على ذكاء القارئ وقدرته على التأويل وإعادة بناء المعنى.












