تحمل العلم المغربي والمصحف فوق أعلى قمم العالم، وسط الثلوج والرياح القاسية، في مشهد لا يختصر فقط إنجازا رياضيا استثنائيا، بل يلخص مسارا كاملا من التحدي والإصرار خاضته المتسلقة المغربية بشرى بايبانو.
وتعد بايبانو أول مغربي ينجح في بلوغ “القمم السبع”، أي أعلى قمة في كل قارة من قارات العالم، كما أصبحت أول امرأة من شمال إفريقيا وثاني امرأة عربية تحقق هذا الإنجاز العالمي.
غير أن تجربة بشرى بايبانو لا تقف عند حدود المغامرة الجبلية، بل تتجاوزها إلى رحلة داخلية لاكتشاف الذات، ومواجهة الخوف، وكسر الأحكام النمطية المرتبطة بقدرات المرأة المغربية والعربية.
وتروي بايبانو جزءا من هذا المسار في كتابها “طريقي نحو القمة”، الذي وقعته مؤخرا برواق دار “أكورا” ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، حيث تقدم تجربتها باعتبارها رحلة نحو النجاح، بما تحمله من شكوك ومخاطر وتضحيات.
ولدت بشرى بايبانو في 10 أبريل 1969، وكانت القراءة منذ طفولتها نافذتها الأولى نحو العالم. فقد وجدت في الكتب وسيلة للسفر الحر عبر الأزمنة والأمكنة، قبل أن يجذبها أيضا عالم المراسلة والكتابة بوصفهما شكلا آخر من أشكال الانفتاح على المجهول.
درست الفيزياء والكيمياء بكلية العلوم بالرباط، قبل أن تتخصص في الفيزياء وتكتشف علم الفلك، وهو المجال الذي غيّر نظرتها إلى السماء. كما حضرت الرياضة مبكرا في حياتها، من خلال الكاراتيه والجري، حيث مثلت بالنسبة إليها مساحة للحرية وبناء الثقة بالنفس.
وكانت سنة 1995 محطة فاصلة في حياتها، حين قادها إعلان عن رحلة منظمة إلى تسلق جبل توبقال إلى أول احتكاك فعلي بعالم الجبال. لم تكن آنذاك تعرف شيئا عن تقنيات التسلق، لكنها كانت تحمل شغفا قويا بالاكتشاف والمغامرة.
ومن توبقال، الذي ظل ساحة تدريبها الأولى، بدأت قناعة بايبانو تتشكل بأن الطريق نحو القمم هو في العمق طريق نحو الذات، وأن تسلق الجبال ليس مجرد اختبار بدني، بل تمرين على الصبر والإيمان والقدرة على تجاوز الخوف.
وفي سنة 2011، تسلقت جبل كيليمنجارو بتنزانيا، أعلى قمة في إفريقيا، لتبدأ بعدها مشروع “القمم السبع”. ثم توالت رحلاتها نحو أكونكاغوا بالأرجنتين، وإلبروس في أوروبا، ودينالي بأمريكا الشمالية، وكارستنز في إندونيسيا، قبل أن تبلغ قمة إيفرست سنة 2017، في تجربة تصفها بأنها “درس في الحياة”.
وتؤكد بايبانو أن إيفرست غيّر نظرتها إلى النجاح والحياة، خاصة عند دخول “منطقة الموت” على ارتفاع يفوق 8000 متر، حيث يصبح التنفس صعبا، ويواجه المتسلق حدود جسده ومصيره. وتقول إن تلك التجربة جعلتها أكثر امتنانا لأبسط النعم، مثل التنفس والطعام والعائلة والبيت.
ولم يكن طريقها سهلا، إذ واجهت، إلى جانب قسوة الجبال، نظرة نمطية تعتبر المغامرة وتسلق القمم مجالا ذكوريا. لكنها اختارت أن ترد بالفعل لا بالكلام، وأن تثبت أن المرأة قادرة على الصمود والمواجهة وتحقيق الإنجاز.
وتوج هذا المسار بإنجازات بارزة، من بينها تسلق قمة أنابورنا في سلسلة جبال الهيمالايا سنة 2022، لتصبح أول امرأة عربية تحقق هذا الإنجاز.
وترى بشرى بايبانو أن القوة في الجبال لا ترتبط فقط بالقدرة الجسدية، بل بالإرادة والصبر والتحمل والثقة بالنفس والتوكل على الله. لذلك تحرص اليوم على تقاسم تجربتها مع الشباب، وخاصة الفتيات، من أجل تشجيعهن على الإيمان بأحلامهن وقدراتهن.
وبعد مسار مهني كمهندسة دولة في وزارة النقل والتجهيز، غادرت بايبانو وظيفتها سنة 2020 للتفرغ لمشروعها الخاص، والعمل في مجالات التدريب والتحفيز وتنظيم الرحلات الجبلية، إلى جانب مواصلة أنشطة جمعيتها “دلتا إيفازيون” الهادفة إلى تمكين الفتيات.
وهكذا، لا تبدو رحلة بشرى بايبانو مجرد قصة متسلقة بلغت أعلى قمم العالم، بل سيرة امرأة مغربية جعلت من الجبل مدرسة للحياة، ومن القمة رسالة أمل، ومن العلم المغربي رمزا لحلم تحقق بالإصرار والإيمان.
عنوان مختصر












