شكلت آليات مساءلة المنتخبين الجماعيين عند ارتكاب مخالفات في التدبير، في ضوء القانون وأحكام القضاء الإداري، محور ندوة نظمت يوم الخميس بمراكش، بمشاركة عدد من القضاة والجامعيين والخبراء المتخصصين في القانون الإداري وتدبير الشأن الترابي.
ونظمت هذه الندوة من طرف محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، تحت عنوان “تأديب المنتخب الجماعي بين المقتضيات القانونية واجتهاد القضاء الإداري”، وذلك في سياق الإعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وما يرافقها من نقاش قانوني وفقهي وقضائي حول سبل تجويد القواعد القانونية والمقررات القضائية.
وشكل اللقاء مناسبة لتبادل الرؤى حول تطوير الإطار القانوني المنظم لتأديب المنتخبين الجماعيين، واستشراف آفاق تعزيز الحكامة الترابية، بما يساهم في ترسيخ الشفافية، وصون المال العام، وتجويد الأداء المحلي، في إطار يوازن بين الفعالية الإدارية وضمانات دولة الحق والقانون.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، عبد السلام نعناني، أن من يتولى مسؤولية عمومية انتخابية يظل مسؤولا عن تصرفاته، بما يقتضي مساءلته عن كل انحراف في السلوك الوظيفي أو الانتدابي، سواء تعلق الأمر برؤساء المجالس أو أعضائها أو من يتولون مهام تدبيرية.
وأوضح أن دور القضاء الإداري في هذا النوع من المنازعات ينحصر في حماية الشرعية، ومراقبة مدى مطابقة القرارات والتصرفات للقانون، والتصدي لكل أشكال الانحراف أو التعسف في استعمال السلطة.
وأشار، في هذا السياق، إلى أن عدد القضايا المتعلقة بطلبات العزل والتجريد والإقالة المعروضة على محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش، خلال الفترة الممتدة من سنة 2021 إلى يونيو 2026، بلغ ما مجموعه 186 قضية، أثيرت بشأنها عدة إشكالات قانونية ودفوع تولت الغرفة الإدارية بمحكمة النقض ومحاكم الموضوع البت فيها.
من جانبه، أبرز رئيس المجلس الجهوي للحسابات بمراكش آسفي، تقي الدين أحندور، الأدوار المتعددة التي تضطلع بها المحاكم المالية في مراقبة تدبير الشأن المحلي، من خلال الاختصاصات الموكولة إلى المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات.
وتناول السيد أحندور، في مداخلة بعنوان “تعدد أوجه رقابة المحاكم المالية على منتخبي الجماعات الترابية بين حماية المال العام وضمانات الدفاع”، الإطار الدستوري والقانوني الذي ينظم تدخل هذه الهيئات، سواء في مجال مراقبة تدبير الجماعات الترابية أو التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية.
وسلط الضوء على مختلف آليات التدخل الرقابي، التي تشمل افتحاص التسيير، وفحص الحسابات، ورصد الاختلالات المحتملة في تدبير الموارد العمومية، مع إبراز مساهمة الاجتهادات القضائية للمحاكم المالية في ترسيخ الممارسات الفضلى داخل الجماعات الترابية.
وتوزعت أشغال الندوة على جلستين علميتين تناولتا مختلف الأبعاد القانونية والقضائية المرتبطة بمساءلة وتأديب المنتخبين الجماعيين، من خلال مناقشة آليات الرقابة المالية والإدارية والقضائية، والتمييز بين الخطأ في التدبير والمخالفات ذات الطابع الزجري، فضلا عن أثر العقوبات التأديبية على الحكامة الترابية.
كما ناقش المشاركون الإشكالات العملية المرتبطة بحالات تنازع المصالح، والعزل، والإقالة، والتجريد من العضوية، والانقطاع عن مزاولة المهام الانتدابية، إلى جانب الشروط القانونية لحل المجالس الجماعية وانعكاسات هذه الإجراءات على الأهلية الانتخابية وإمكانية الترشح مستقبلا.
وأكدت الندوة في خلاصاتها أهمية تطوير آليات المساءلة القانونية والقضائية، بما يعزز ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويدعم الحكامة الجيدة داخل الجماعات الترابية، ويضمن تدبيرا محليا أكثر شفافية ونجاعة.












