في أزقة الصويرة العتيقة، حيث تبدأ الممرات من بوابات مقوسة وتنتهي إلى ساحات صغيرة تنبض بالحياة، يجد الزائر نفسه أمام مدينة لا تشبه غيرها؛ مدينة هادئة ووادعة، لكنها عامرة بالإيقاع والحكايات واللغات القادمة من كل مكان.
عند الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، لا يوحي المكان بأن الليل قد انتصف. فأنوار المصابيح، وحركة الزوار، وأصوات الموسيقى المنبعثة من الساحات والمقاهي، تمنح المدينة إيقاعا خاصا، أشبه بيوم صاف في ذروة نشاطه.
في أحد الأزقة، يجلس زوار من جنسيات مختلفة داخل مقهى صغير، تتداخل لغاتهم وملامحهم وطرائق تعبيرهم في مشهد إنساني واحد. هنا، لا تبدو الصويرة مجرد مدينة ساحلية، بل فضاء مفتوحا للتلاقي والتنوع والأخوة الإنسانية.
وتقول زائرة أربعينية، بلغة فرنسية هادئة، إنها لا تكاد تصدق حجم السكينة التي تشعر بها في هذه المدينة، قبل أن تضيف رفيقتها، وكأنها تختصر التجربة كلها: “الصويرة ملاذ للأرواح”.
وتكشف أزقة المدينة العتيقة عن روح عاشقة للموسيقى والحياة، حيث تمتزج الأصوات والحكايات واللغات والأحلام في نسيج واحد، قوامه الإيقاع، ومادته الأساسية موسيقى كناوة التي تمنح المكان سحره الخاص.
وبينما تبعث نسمات الأطلسي إحساسا بالراحة في نفوس الزوار، يتحلق أهل المدينة وضيوفها حول العازفين والمطربين في الساحات، في وقت تصدح فيه منصات العروض الكبرى بأغان وإيقاعات تجعل من الصويرة مسرحا مفتوحا للحياة.
ويؤكد أحد الشباب، وسط الجموع المتحلقة حول العازفين، أن موسيقى كناوة تخاطب كل الحواس؛ فالكمبري يبوح بأسراره للأذن، والأزياء التقليدية تمنح العين ألوان الفرح، وروائح البخور تعبر إلى الروح قبل الأنف.
ولهذا، تحتضن الصويرة كل عام مهرجان كناوة وموسيقى العالم، في موعد فني وإنساني يشكل جسرا بين الثقافات والشعوب، تمتد بدايته من المدينة العتيقة، وتنفتح نهايته على آفاق العالم.
وتؤكد منتجة المهرجان نائلة التازي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن القائمين على هذا الموعد الفني يركزون على قيم اللقاء والتعارف والتعايش، من خلال الموسيقى باعتبارها لغة كونية يفهمها جميع البشر.
وتبدو الموسيقى، في هذا السياق، كأنها طوق نجاة في عالم مثقل بالتوتر وتسارع الحياة. ففي الصويرة، يجد الزائر إيقاعا أكثر انسجاما مع الطبيعة، تصنعه أصوات النوارس فوق الأسوار، وهدير أمواج الأطلسي على الصخور، وأنغام الكمبري حين تنساب من بين أنامل معلم بارع.
وترى نائلة التازي أن الموسيقى في الصويرة “تسافر كما يسافر البشر، وتعبر الأفكار كما تعبر الذاكرة، وتتحرك الحكايات كما تتحرك الإيقاعات”، معتبرة أن المدينة لا تستقبل مجرد مهرجان، بل تفتح فضاء واسعا للقاء والعبور.
وحين تقود الأقدام الزائر داخل أسوار الصويرة، ليلا أو نهارا، ينكشف أمامه ألق خاص لا ينطفئ، تزيده إيقاعات كناوة سحرا وجاذبية، وتجعله يعيش تجربة تتجاوز حدود السياحة العادية.
فالصويرة ليست مجرد محطة على خريطة السفر، بل تجربة حياة كاملة، تخبر زوارها بأن الموسيقى قادرة على جعل العالم أكثر ألفة ومحبة وسلاما.












