أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءا أساسيا من الحياة اليومية لملايين المغاربة، بعدما أظهرت معطيات حديثة أن نحو 23 مليون شخص يستخدمون هذه المنصات، بمعدل يومي يقارب ساعتين و45 دقيقة. كما تتركز النسبة الأكبر من المستخدمين ضمن الفئة العمرية بين 18 و34 سنة، بما يقارب 62 في المائة، وهو ما يعكس الحضور القوي للشباب داخل الفضاء الرقمي.
هذا الانتشار الواسع أعاد إلى الواجهة النقاش حول تأثير المحتوى الرقمي و”الترندات” في نظرة الشباب إلى الحياة والنجاح، خاصة بعدما تحولت شبكات التواصل من مجرد فضاء للتواصل ومشاركة اللحظات اليومية إلى منصات تعرض نماذج منتقاة بعناية للحياة والثراء والإنجاز.
وباتت مؤشرات مثل عدد المتابعين والمشاهدات والإعجابات تؤدي دورا متزايدا في صناعة المكانة الرقمية، في وقت أصبح فيه بعض الشباب يقيسون نجاحهم الشخصي بمدى حضورهم وانتشارهم على المنصات.
ساهمت الثقافة الرقمية في تغيير عدد من التصورات التقليدية المرتبطة بالنجاح. فبعدما كان النجاح يرتبط بمسار طويل من الدراسة والعمل واكتساب الخبرة وبناء المكانة المهنية والاجتماعية، أصبح يقدم أحيانا على أنه نتيجة سريعة يمكن بلوغها عبر الشهرة أو تحقيق أرباح كبيرة في وقت وجيز.
وتنتشر على المنصات الرقمية مقاطع ومضامين تحمل عناوين من قبيل “كيف أصبحت مليونيرا في وقت قصير؟” أو “اترك وظيفتك وابدأ مشروعك الآن”، وهي رسائل تقدم صورة جذابة للنجاح، لكنها غالبا ما تختزل المسار في نتيجته النهائية، دون إظهار سنوات العمل أو التجارب الفاشلة أو الصعوبات التي سبقت الوصول إليها.
ومع التكرار المستمر لهذه الصور، قد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام مقارنة غير متوازنة بين واقعهم اليومي وما يشاهدونه على هواتفهم، رغم أن المحتوى المنشور لا يعكس بالضرورة الصورة الكاملة لحياة أصحابه.
وفي هذا السياق، يرى هشام بوقشوش، الباحث في علم الاجتماع، أن الثقافة الرقمية أحدثت تحولا عميقا في تعريف النجاح، إذ بات يقاس لدى فئات معينة بمؤشرات رقمية مثل عدد المتابعين والمشاهدات وحجم التفاعل.
وأوضح أن المنصات الاجتماعية ساهمت في تعزيز منطق “الظهور” إلى جانب منطق “الإنجاز”، بحيث أصبح الشخص القادر على استقطاب الانتباه وتحقيق انتشار واسع يحظى بمكانة اجتماعية ورقمية مهمة، حتى وإن لم يكن هذا الانتشار مرتبطا دائما بإنتاج معرفي أو علمي أو مجتمعي.
ويزداد تأثير هذه المنصات نتيجة طبيعة المحتوى الذي يختار المستخدمون مشاركته، إذ يتم عادة إبراز لحظات النجاح والسفر والرفاه والإنجاز، مقابل غياب مراحل الفشل أو القلق أو الصعوبات اليومية.
وينتج عن ذلك فضاء رقمي يبدو فيه الآخرون أكثر نجاحا واستقرارا وسعادة، وهو ما قد يدفع بعض الشباب إلى الاعتقاد بأن حياتهم أقل نجاحا مقارنة بما يشاهدونه، رغم أن المقارنة تتم بين واقع كامل وصورة منتقاة من حياة الآخرين.
وتزداد حساسية هذا الوضع في السياق المغربي بسبب الفجوة التي قد تفصل بين الطموحات التي تروج لها المنصات الرقمية وبين الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية المتاحة على أرض الواقع.
فالتعرض المتكرر لمحتويات تُظهر مستويات مرتفعة من الرفاه والاستهلاك قد يولد لدى البعض شعورا بعدم الرضا أو الإحباط، خصوصا عندما تتم مقارنة الإمكانيات الشخصية بنماذج رقمية قد تكون مبالغا فيها أو غير ممثلة للحياة اليومية الحقيقية.
ولا تتوقف انعكاسات هذه الظاهرة عند حدود المقارنة الاجتماعية، بل قد تمتد إلى الصحة النفسية، من خلال زيادة الشعور بالقلق والتوتر والخوف من الفشل أو ضعف تقدير الذات.
كما تساهم بعض المضامين الرقمية في ترسيخ ثقافة الاستعجال، حيث يصبح النجاح مرتبطا بفكرة الوصول السريع إلى المال أو الشهرة، بينما تتراجع قيمة التدرج والتعلم والصبر وبناء الخبرة على المدى الطويل.
وقد يدفع هذا الضغط بعض الأشخاص إلى السعي وراء الانتشار بأي وسيلة، أو إلى تبني أنماط استهلاكية تفوق إمكانياتهم الحقيقية، بهدف تقديم صورة اجتماعية تتوافق مع ما يشاهدونه على المنصات.
ورغم هذه التأثيرات، فإن مواقع التواصل الاجتماعي لا تقتصر على الجوانب السلبية، إذ فتحت أمام الشباب فرصا واسعة للوصول إلى المعرفة وتعلم مهارات جديدة وبناء مشاريع مهنية وتجارية.
كما أتاحت إمكانية التعلم الذاتي والانفتاح على تجارب دولية متنوعة، وساهمت في ظهور نماذج ناجحة في مجالات ريادة الأعمال والعلوم والفنون والمبادرات المدنية.
وأصبحت هذه المنصات كذلك وسيلة فعالة للوصول إلى فرص كانت في السابق أكثر صعوبة، سواء في مجال التكوين أو التسويق أو إنشاء شبكة علاقات مهنية أو تقديم المشاريع والأفكار لجمهور واسع.
ويرى الباحث هشام بوقشوش أن الإشكال لا يكمن في وجود مواقع التواصل الاجتماعي في حد ذاتها، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها المستخدم معها.
فالمطلوب، بحسبه، ليس الانسحاب من العالم الرقمي، وإنما تطوير القدرة على التعامل النقدي مع المحتوى وفهم الطريقة التي تعمل بها المنصات والخوارزميات.
فالخوارزميات لا تعرض بالضرورة المحتوى الأكثر فائدة أو قيمة، وإنما غالبا ما تدفع إلى الواجهة بالمحتوى القادر على إثارة التفاعل وجذب الانتباه لأطول مدة ممكنة.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين نجاح قائم على التعلم والعمل والتجربة وخلق قيمة حقيقية، وبين نجاح رقمي قد يقوم أساسا على الانتشار المؤقت أو تحقيق أرقام مرتفعة من المشاهدات.
وفي النهاية، يظل النجاح مفهوما أوسع من عدد المتابعين أو حجم التفاعل على شاشة الهاتف، إذ يرتبط أساسا بقدرة الفرد على تطوير نفسه وتحقيق أهدافه بشكل متوازن وتحويل معرفته وجهده إلى قيمة تعود بالنفع عليه وعلى محيطه.
وكلما ارتفع وعي الشباب بطريقة اشتغال العالم الرقمي، أصبحت مواقع التواصل أداة للتعلم والفرص والتمكين، بدلا من أن تتحول إلى مصدر دائم للمقارنة والضغط وصناعة تصورات غير واقعية عن النجاح.












