تخلد المرأة المغربية، في 10 أكتوبر من كل سنة، يومها الوطني، في مناسبة تشكل محطة للوقوف عند المكتسبات التي تحققت خلال العقود الماضية، واستحضار التحديات التي ما تزال مطروحة في مجال تعزيز المساواة والمناصفة وتوسيع حضور النساء في مختلف مجالات الحياة العامة.
ويأتي الاحتفاء هذه السنة في سياق سياسي خاص، بعد تعيين الملك محمد السادس، في 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة. Maroc
ويعكس هذا التطور مسارا طويلا من التحولات التي عرفتها وضعية المرأة المغربية، بعدما انتقلت تدريجيا من مرحلة المطالبة بالتمكين إلى تعزيز حضورها الفعلي في مواقع المسؤولية وصنع القرار، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
واستند هذا المسار إلى جملة من الإصلاحات الدستورية والقانونية والمؤسساتية، وفي مقدمتها دستور سنة 2011، الذي كرس مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات، ونص على سعي الدولة إلى تحقيق المناصفة بين الرجال والنساء، إلى جانب اعتماد عدد من القوانين والبرامج الرامية إلى حماية حقوق النساء وتعزيز مشاركتهن في المجتمع.
وشكلت مكافحة العنف ضد النساء أحد أبرز الأوراش التي شهدها الإطار القانوني المغربي، من خلال وضع مقتضيات تتعلق بالوقاية والحماية والزجر والتكفل بالضحايا، في الوقت الذي برز فيه ورش مراجعة مدونة الأسرة باعتباره محطة جديدة لمواكبة التحولات الاجتماعية التي عرفها المغرب منذ اعتماد المدونة قبل نحو عقدين.
كما سجل حضور النساء في المؤسسات المنتخبة تطورا ملحوظا. وجرت الانتخابات التشريعية الأخيرة يوم 23 شتنبر 2026 لاختيار 395 عضوا بمجلس النواب، في سياق عرف حضورا واسعا للنساء ضمن الترشيحات والدوائر الانتخابية المخصصة لهن. Maroc
ولا يقتصر تطور وضعية المرأة على المجال السياسي، إذ عرف حضور الفتيات والنساء في منظومة التعليم توسعا متواصلا خلال السنوات الأخيرة، خاصة في التعليم العالي، الأمر الذي ساهم في تقليص عدد من الفوارق المرتبطة بولوج الدراسة والتكوين.
وفي سوق الشغل، يظل مستوى التعليم عاملا مؤثرا بشكل واضح في مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، إذ ترتفع نسبة نشاط الحاصلات على شهادات عليا مقارنة بشكل كبير بالنساء ذوات المستوى الدراسي المتوسط أو اللواتي لا يتوفرن على شهادة.
ويرى الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، سعيد عادل، أن المرحلة المقبلة تستدعي تجاوز التعامل مع المرأة باعتبارها مجرد موضوع للسياسات العمومية، والعمل على جعلها فاعلا مشاركا في صناعة هذه السياسات واتخاذ القرارات المرتبطة بها.
وأكد أن تعزيز التمكين يتطلب الاستمرار في تنزيل برامج تنموية موجهة للنساء، بما يسمح بتثمين المكتسبات المحققة ومعالجة عدد من الإكراهات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي ما تزال تحد من المشاركة الكاملة للمرأة.
ويظل الوصول إلى مواقع القيادة واحدا من أبرز التحديات المطروحة، في ظل ما يعرف بـ”السقف الزجاجي”، أي تلك الحواجز الاجتماعية والثقافية غير الظاهرة التي قد تعيق وصول النساء إلى أعلى مستويات المسؤولية، رغم توفرهن على الكفاءة والتجربة.
من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع محسن بنزاكور أن حضور المرأة المغربية في مجالات الطب والهندسة والطيران والتعليم والاقتصاد والسياسة يعكس التطور الذي حققته على مستوى التمكين، مشددا في الوقت نفسه على أن تغيير بعض العقليات والتمثلات التقليدية يحتاج إلى مزيد من الوقت.
وبين المكاسب المتراكمة والتحديات المستمرة، يظل اليوم الوطني للمرأة مناسبة لإبراز التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، وفرصة للتأكيد على أن تعزيز المساواة والمناصفة لا يرتبط فقط بتوسيع حضور النساء، بل أيضا بتمكينهن من تأثير فعلي في القرار والتنمية ومختلف مجالات الحياة العامة.












