أصبحت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة واحداً من أبرز مصادر المعلومات الصحية بالنسبة إلى شريحة واسعة من المستخدمين، بعدما بات الوصول إلى النصائح الطبية والتجارب الشخصية والوصفات المختلفة متاحاً بضغطة زر، دون الحاجة إلى الرجوع دائماً إلى المراجع المتخصصة أو زيارة الطبيب.
ورغم ما يوفره هذا التحول الرقمي من فرص مهمة لنشر الوعي الصحي وتبسيط عدد من المفاهيم الطبية، فإن الانتشار المتزايد للمحتوى غير المدقق يثير في المقابل مخاوف بشأن قدرة المستخدمين على التمييز بين المعلومات المبنية على أسس علمية وبين النصائح التي تفتقر إلى المصداقية أو تستند فقط إلى تجارب شخصية.
وتبرز خطورة هذا النوع من المحتوى عندما تقدم بعض الحسابات حلولاً سريعة لمشكلات صحية معقدة، أو تعرض وصفات وتجارب فردية باعتبارها علاجات صالحة للجميع، دون الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الحالات الصحية أو تعدد الأسباب التي قد تقف خلف الأعراض نفسها.
كما أن تحقيق محتوى معين لانتشار واسع أو ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة أن المعلومات الواردة فيه دقيقة أو أن التوصيات المقدمة تستند إلى أدلة علمية موثوقة، إذ تلعب طريقة تقديم المحتوى والعناوين المثيرة واللغة الواثقة دوراً كبيراً في جذب المستخدمين.
وقد يدفع هذا الأسلوب بعض الأشخاص إلى تجربة وصفات غير مثبتة أو تغيير عاداتهم العلاجية دون استشارة مختص، بل وقد يؤدي في بعض الحالات إلى تأخير التشخيص أو التوقف عن تناول أدوية موصوفة طبياً.
ولا ترتبط المصداقية الصحية بعدد المتابعين أو التفاعلات التي يحققها صانع المحتوى، وإنما بمصدر المعلومة، والمؤهلات العلمية لمقدمها، ومدى توافقها مع المعطيات الطبية المعتمدة.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار المحتوى الصحي المنشور على الإنترنت مضللاً في مجمله، إذ تتيح المنصات الرقمية مساحة مهمة للأطباء والمتخصصين من أجل نشر ثقافة الوقاية، وتبسيط المصطلحات الطبية، وتصحيح بعض المعتقدات الخاطئة، وتشجيع الجمهور على الاهتمام بصحته.
غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل مرتبطة بضرورة التمييز بين المحتوى التوعوي العام وبين التشخيص أو العلاج الفردي، لأن الحالات الصحية تختلف من شخص إلى آخر، ولا يمكن في كثير من الأحيان تحديد أسباب الأعراض أو اختيار العلاج المناسب بناء على مقطع قصير أو منشور عام.
وتطرح هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين عدة أطراف، في مقدمتها صناع المحتوى الصحي الذين يفترض أن يحرصوا على الدقة وألا يقدموا ادعاءات علاجية دون أساس علمي، إلى جانب المنصات الرقمية المطالبة بتطوير آليات أكثر فعالية للحد من انتشار المعلومات الصحية المضللة.
كما يتحمل المستخدم بدوره جزءاً من المسؤولية عبر التحقق من مصادر المعلومات وعدم التعامل مع كل ما ينشر باعتباره حقيقة طبية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأمراض مزمنة أو أعراض خطيرة أو علاجات قد تكون لها آثار جانبية.
وتبرز في هذا السياق أهمية الرجوع إلى المصادر الصحية الرسمية والمؤسسات الطبية المعروفة، فضلاً عن استشارة الأطباء والصيادلة وغيرهم من المختصين عند الحاجة، بدلاً من الاعتماد حصراً على المحتوى المتداول رقمياً.
وتبقى التجارب الشخصية المنشورة عبر الإنترنت مفيدة في تبادل الخبرات، لكنها لا تشكل دليلاً علمياً ولا بديلاً عن الفحص الطبي، كما لا ينبغي أن تكون أساساً لإيقاف علاج موصوف أو تغييره أو تجربة وصفات مجهولة المصدر.
وبين السرعة الكبيرة التي تنتشر بها المعلومات على منصات التواصل ومتطلبات الدقة التي تفرضها المعرفة الطبية، تزداد الحاجة إلى ترسيخ ثقافة التحقق لدى المستخدمين، لأن المعلومة الصحية الخاطئة قد تنتشر خلال دقائق، في حين يمكن أن تستمر آثارها على صحة الأفراد لفترات أطول بكثير.












