يواصل الاقتصاد المغربي إظهار قدر من الصمود في مواجهة التقلبات الاقتصادية الدولية والتوترات الجيوسياسية، مدعوما باستقرار الأسعار وانتعاش عدد من القطاعات الإنتاجية وتسارع الاستثمارات العمومية، غير أن استمرار الضغوط على أسواق الطاقة واتساع العجز التجاري يطرحان تحديات حقيقية أمام استدامة النمو والحفاظ على التوازنات المالية خلال السنوات المقبلة.وتشير توقعات حديثة لصندوق النقد الدولي إلى إمكانية تحقيق الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4,5 في المائة خلال سنة 2026، مقابل 4,9 في المائة سنة 2025، على أن يستقر النمو عند 4,2 في المائة سنة 2027. ورغم مراجعة هذه التقديرات نحو الانخفاض مقارنة بتوقعات أبريل الماضي، فإنها تظل أعلى من معدل النمو العالمي المرتقب خلال السنة الجارية.وفي المقابل، يتوقع الصندوق استقرار معدل التضخم بالمغرب عند 0,9 في المائة خلال سنة 2026، قبل ارتفاعه إلى 1,4 في المائة سنة 2027، فيما يرجح تراجع معدل البطالة من 13 في المائة سنة 2025 إلى 12,2 في المائة خلال السنة الجارية، ثم إلى 11,3 في المائة سنة 2027.وتعكس هذه المؤشرات تحسنا نسبيا في الوضع الاقتصادي الوطني، في ظل استمرار الاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية والنقل والتجهيزات الرياضية، فضلا عن الأوراش المرتبطة باستعدادات المملكة لتنظيم كأس العالم 2030، التي يعول عليها في تحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص الشغل.وفي السياق ذاته، أبقت وكالة التصنيف الائتماني الدولية «فيتش ريتينغز» التصنيف السيادي للمغرب عند مستوى «BB+» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مستندة إلى متانة الاحتياطيات الخارجية واستمرارية السياسات الاقتصادية. غير أن الوكالة تتوقع اتساع عجز الميزانية إلى 4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنة 2026، قبل تراجعه إلى حوالي 3,4 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2028، مع استقرار الدين العمومي في حدود 67 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.استقرار الأسعار يدعم النشاط الاقتصاديساهم تراجع الضغوط التضخمية في تخفيف الأعباء الاقتصادية على الأسر والمقاولات، بعدما بلغ متوسط التضخم حوالي 0,3 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، فيما سجل المعدل السنوي ناقص 0,6 في المائة خلال يوليوز الماضي.كما يرتقب أن تسجل القيمة المضافة الفلاحية ارتفاعا بنسبة 16 في المائة خلال سنة 2026، مدعومة بتحسن الموسم الفلاحي ومحصول حبوب يقدر بنحو 93 مليون قنطار، وهو ما من شأنه دعم المداخيل في الوسط القروي وتحسين العرض من المنتجات الفلاحية.وفي إطار مواكبة هذه التطورات، قرر بنك المغرب الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25 في المائة خلال اجتماع مجلسه المنعقد في شتنبر الماضي، فيما تشير توقعاته إلى إمكانية تسارع نمو القروض البنكية الموجهة إلى القطاع غير المالي من 4,8 في المائة سنة 2025 إلى 8,1 في المائة خلال السنة الجارية.ويراهن المغرب على استمرار الاستثمار العمومي باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتحفيز النمو، خصوصا في مجالات البنيات التحتية والنقل والطاقة والتجهيزات الرياضية، مع ضرورة تحسين مردودية المشاريع وضمان انعكاساتها الإيجابية على الإنتاجية والتشغيل.وفي هذا الإطار، أكد الخبير الاقتصادي المتخصص في المالية العمومية رشيد قصور أن قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة الصدمات الخارجية ترتبط باستقرار المؤشرات الماكرو-اقتصادية واستمرار المجهود الاستثماري العمومي.وأوضح، في تصريحات صحفية، أن التحدي لا يقتصر على مواصلة الاستثمار، بل يشمل أيضا ضمان مردوديته الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في ظل ارتفاع كلفة المشاريع الكبرى والحاجة إلى تعبئة موارد مالية مهمة.وشدد الخبير على أهمية التحكم في تكاليف الإنجاز وتحسين جودة الإنفاق العمومي وتوسيع مشاركة المقاولات الوطنية، إلى جانب تعزيز المداخيل الجبائية وترشيد النفقات، بما يسمح بمواصلة تمويل المشاريع الهيكلية دون الإضرار باستقرار المالية العمومية.العجز التجاري يواصل الضغط على الاقتصادفي المقابل، يواجه الاقتصاد المغربي تحديات مرتبطة بارتفاع فاتورة الواردات واستمرار الاعتماد على الخارج لتلبية جزء مهم من الحاجيات الطاقية. وأظهرت معطيات المبادلات الخارجية ارتفاع العجز التجاري بنسبة 25,4 في المائة عند متم غشت 2026، ليصل إلى 282,61 مليار درهم.وجاء هذا التطور نتيجة ارتفاع الواردات بنسبة 15,8 في المائة إلى حوالي 617 مليار درهم، مقابل نمو الصادرات بنسبة 8,7 في المائة لتبلغ 334,9 مليارات درهم. كما ارتفعت الفاتورة الطاقية بنسبة 32,6 في المائة، بزيادة بلغت 23,7 مليار درهم، ما زاد من الضغوط على الميزان التجاري.ورغم هذه الاختلالات، سجلت مداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أداء إيجابيا، إذ بلغت مداخيل الأسفار حوالي 97,9 مليارات درهم عند نهاية غشت، بزيادة نسبتها 9,7 في المائة، فيما ارتفعت التحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج بنسبة 9 في المائة لتصل إلى 89,2 مليار درهم.كما سجل صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة ارتفاعا بنسبة 65 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، ليبلغ 34,3 مليارات درهم، في مؤشر على استمرار جاذبية المملكة لدى المستثمرين، خصوصا في القطاعات الصناعية والطاقية واللوجستية.وفي هذا الصدد، اعتبر الخبير الاقتصادي المتخصص في الاقتصاد التطبيقي سفيان حركات أن استمرار نمو الاقتصاد المغربي بمعدلات تتجاوز 4 في المائة، رغم الاضطرابات الجيوسياسية والطاقية، يعكس قدرة نسبية على امتصاص الصدمات الخارجية.وأوضح أن الرهان الأساسي خلال السنوات المقبلة يتمثل في الانتقال إلى نموذج نمو أكثر تنوعا، يقوم على تعزيز مساهمة الصناعة والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة والاستثمارات الخاصة، بما يحد من ارتباط النشاط الاقتصادي بالتقلبات المناخية والظروف الخارجية.وأضاف أن ارتفاع العجز التجاري والفاتورة الطاقية يؤكد ضرورة تعزيز الصادرات وتسريع الانتقال الطاقي وتحسين اندماج المقاولات الوطنية في سلاسل القيمة الدولية، مشيرا إلى أن استدامة تدفقات الاستثمار الأجنبي تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى طاقات إنتاجية وفرص شغل مستقرة.رهان النمو المستدام في أفق 2030وتبرز التوقعات الاقتصادية أهمية تقليص الفوارق بين القطاعات والمجالات الترابية، وضمان استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الدينامية الاستثمارية، بما يسمح بتوسيع قاعدة الإنتاج وخلق فرص شغل مستدامة.وفي هذا السياق، يتوقع بنك المغرب ارتفاع احتياطيات الصرف إلى 502,8 مليارات درهم بنهاية سنة 2026، ثم إلى 515,3 مليارات درهم سنة 2027، وهو ما يعادل حوالي خمسة أشهر ونصف الشهر من واردات السلع والخدمات، بما يعزز قدرة المملكة على مواجهة الضغوط الخارجية.غير أن الاختلاف بين توقعات صندوق النقد الدولي وبنك المغرب بشأن وتيرة النمو خلال سنة 2027 يعكس استمرار حالة عدم اليقين، خاصة في ظل احتمال تراجع مساهمة القطاع الفلاحي بعد الانتعاش المتوقع خلال السنة الجارية.وتبقى قدرة الاقتصاد المغربي على الحفاظ على دينامية النمو مرتبطة بمدى نجاحه في تنويع مصادر الإنتاج، وتقليص التبعية الطاقية، وتعزيز تنافسية الصادرات، وتحسين فعالية الإنفاق العمومي، إلى جانب تحويل الاستثمارات الكبرى إلى فرص شغل وثروة مستدامة.وبين مؤشرات الصمود والتحديات المالية والتجارية، يظل الرهان الأساسي أمام المملكة هو تحقيق نمو متوازن وشامل، قادر على دعم القدرة الشرائية للأسر وتعزيز تنافسية المقاولات، مع الحفاظ على استقرار التوازنات الاقتصادية في أفق سنة 2030.
السبت, أكتوبر 17, 2026
آخر المستجدات :
- الاقتصاد المغربي يصمد أمام الضغوط الخارجية وسط تحديات النمو والتشغيل
- تسليم السلط بين السكوري والوزراء الجدد المكلفين بالتشغيل والتكوين المهني
- تسليم السلط بقطاع الصيد البحري وسط تحديات جديدة
- الأحمدي يحذر من مخاطر الألعاب الإلكترونية ويدعو إلى ترشيد استخدام الأجهزة
- دراسة علمية.. علاج اكتئاب الحمل قد يعزز نمو دماغ الطفل وقدرته على تنظيم المشاعر
- ترامب يقترح تسمية أحد المحيطات باسمه.. وجوجل ترفض
- «CMA CGM» الفرنسية تستحوذ على 49% من رأسمال محطة الحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط
- عجز السيولة البنكية بالمغرب يتجاوز 155 مليار درهم خلال أكتوبر












