لم تعد غرف الأخبار التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة تجريبية، إذ بدأت مشاريع إعلامية في الولايات المتحدة وكندا وكرواتيا وإيطاليا في بناء نماذج عمل تعتمد على وكلاء آليين يتولون رصد المصادر والبحث والكتابة والتدقيق، وفي بعض الحالات اتخاذ القرار التحريري أيضا.
وكشف تقرير حديث لمعهد رويترز لدراسة الصحافة أن هذه المنصات تختلف عن مواقع تجميع الأخبار التقليدية، لأنها تحاول محاكاة العملية الصحفية نفسها، مع تفاوت كبير في حجم التدخل البشري من مشروع إلى آخر.
وبحسب قاعدة بيانات متخصصة، يوجد حاليا نحو 30 مشروعا إعلاميا حول العالم يعتمد بدرجات متفاوتة على أنظمة ذكاء اصطناعي في إنتاج الأخبار.
ومن أبرز هذه التجارب موقع “RuntimeWire” الأميركي، الذي نجح في نشر خبر تقني خلال ست دقائق فقط من رصد المعلومة، متقدما بساعات على وسائل إعلام دولية كبرى.
ويقول مؤسس الموقع رايان ميركيت إن السرعة ترجع إلى جاهزية البنية التحريرية قبل وصول الخبر، موضحا أن النظام يطابق المعلومات مع الوثائق والسجلات المتاحة قبل اقتراح النشر.
وفي إيطاليا، يعتمد موقع “Redazione Zero” نموذجا أكثر جرأة، إذ يترك اختيار الأخبار وكتابتها بالكامل لوكلاء آليين، مع استخدام أنظمة مستقلة للتحقق من المواد قبل نشرها.
ووضع القائمون على المشروع قيودا صارمة على بعض أنواع التغطية، من بينها الجرائم والمحاكم والنصائح الطبية، مع اشتراط أكثر من مصدر في بعض الحالات الحساسة.
وفي كرواتيا، يركز مشروع “Moj Kraj” على الأخبار المحلية في أكثر من 120 بلدة، عبر رصد آلاف المصادر الصغيرة، من بينها مواقع البلديات وشركات الخدمات والبيانات الرسمية.
ولا ينشر الموقع سوى جزء محدود من المواد التي تنتجها أنظمته يوميا، بعد إخضاعها لمعايير مرتبطة بالحياد والدقة وجودة الصياغة.
أما في ولاية أريزونا الأميركية، فيعتمد موقع “Tucson Daily Brief” نموذجا يجمع بين الأتمتة والتدخل البشري، إذ تنشر الأخبار الروتينية آليا، بينما تخضع التغطيات الحساسة للمراجعة والتحرير اليدوي.
وفي كندا، أعيد إحياء صحيفة “Journal Métro” بعد إفلاس مجموعتها المالكة السابقة، عبر نموذج يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقليل التكاليف، مع الاحتفاظ بصحفي بشري واحد يشرف على التحقق من المعلومات وإضافة السياق والرأي الآخر.
ورغم ما توفره هذه النماذج من سرعة وخفض للتكاليف، يثير انتشارها تساؤلات بشأن جودة المحتوى ومستقبل الوظائف الصحفية واحتمال زيادة انتشار الأخطاء أو المواد المضللة.
ويقر القائمون على هذه المشاريع بأن أنظمتهم ارتكبت أخطاء بالفعل، مؤكدين أن كل خطأ يؤدي إلى مراجعة القواعد والضوابط المعتمدة.
ويتفق أغلبهم على أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه تعويض الصحفي في المهام التي تتطلب بناء مصادر والنزول إلى الميدان واتخاذ قرارات تحريرية معقدة، لكنه قادر على تحمل جانب كبير من المهام الروتينية والمتكررة.
ويبدو أن مستقبل الصحافة، وفق هذه التجارب، يتجه نحو نموذج هجين تتولى فيه الآلات الأعمال الميكانيكية، بينما يركز الصحفيون على التحقق والتحليل وصناعة القرار والمحتوى الأصلي.












