دخل المغرب مرحلة جديدة في مسار التحول الرقمي، بعدما منح الذكاء الاصطناعي مكانة بارزة ضمن الهيكلة الحكومية الجديدة، بتعيين أحمد رحو وزيرا للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، يوم 16 أكتوبر 2026، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو تعزيز حضورها في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأثار هذا التوجه اهتماما دوليا، حيث اعتبر تحليل نشره موقع «إنترناشونال بوليسي دايجست» أن إحداث وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي يمثل إشارة سياسية إلى أهمية هذا المجال، لكنه لا يشكل في حد ذاته ضمانة لتحقيق الابتكار أو بناء صناعة تكنولوجية تنافسية.
وأشار التحليل إلى المفارقة بين النموذج المغربي ونظيره الأمريكي، موضحا أن الولايات المتحدة، رغم ريادتها العالمية في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي واحتضانها كبرى الشركات العاملة في هذا المجال، لا تتوفر على وزارة اتحادية مخصصة حصريا لهذه التكنولوجيا.
وأوضح أن التفوق الأمريكي تحقق بفضل منظومة متكاملة تجمع الجامعات ومراكز البحث العلمي والاستثمارات الخاصة والتمويل العمومي، وليس من خلال الاعتماد على مؤسسة حكومية واحدة.
وفي المقابل، يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه ضمن التحولات التكنولوجية العالمية، من خلال خارطة طريق «المغرب للذكاء الاصطناعي 2030»، التي تستهدف، وفق الأهداف الواردة في التحليل، خلق قيمة اقتصادية إضافية تبلغ 100 مليار درهم بحلول سنة 2030.
كما تطمح هذه الاستراتيجية إلى إحداث 50 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، وتكوين وتأهيل 200 ألف شخص في المجالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية.
ويرى التحليل أن تحقيق هذه الطموحات يتطلب استثمارات مهمة في البنيات التحتية الرقمية، وتوفير قدرات متقدمة للحوسبة، إلى جانب تحسين جودة شبكات الاتصالات وضمان توفر الطاقة والبيانات الضرورية لتطوير التطبيقات الذكية.
وتبرز أمام المغرب فرص مهمة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في عدد من القطاعات الحيوية، خصوصا الفلاحة وتدبير الموارد المائية والصحة والتعليم والنقل والخدمات الإدارية.
ويمكن لهذه التقنيات، بحسب التحليل، أن تساهم في تحسين توقعات الجفاف وترشيد استعمال المياه ورفع الإنتاجية الفلاحية، فضلا عن دعم الأطباء والمدرسين وتبسيط الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما يشكل تطوير تطبيقات قادرة على فهم الدارجة المغربية واللغة الأمازيغية أحد المجالات التي يمكن أن تمنح المملكة خصوصية تكنولوجية، وتساعد على توسيع استفادة المواطنين من الخدمات الرقمية.
وفي ما يتعلق بالسيادة الرقمية، شدد التحليل على أن تحقيق الاستقلال التكنولوجي لا يعني بالضرورة تصنيع جميع المكونات الإلكترونية محليا، وإنما امتلاك الكفاءات الضرورية لفهم الأنظمة المستوردة وتطويرها وحماية البيانات الحساسة.
وأشار إلى أن المغرب يمكن أن يتحول إلى شريك تكنولوجي لعدد من البلدان الإفريقية، من خلال تطوير حلول رقمية تستجيب للخصوصيات اللغوية والاقتصادية والاجتماعية للقارة.
غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل مرتبطا بتعزيز البحث العلمي وتطوير منظومة التعليم العالي، بما يسمح بتكوين مهندسين وباحثين متخصصين في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات.
وحذر التحليل من اختزال التكوين الرقمي في تعليم استعمال التطبيقات الجاهزة، مؤكدا أن بناء اقتصاد قائم على الابتكار يتطلب إعداد كفاءات قادرة على تصميم الأنظمة الذكية وتطويرها وتقييم مخاطرها.
كما أبرز أهمية وضع قواعد واضحة لحماية المعطيات الشخصية وضمان الشفافية والمساءلة، لتفادي المخاطر المرتبطة بالتمييز الخوارزمي والمراقبة الرقمية وإقصاء الفئات التي تواجه صعوبات في استعمال التكنولوجيا.
وفي هذا السياق، أصبحت الوزارة الجديدة مكلفة رسميا بإعداد السياسة الحكومية في مجال الذكاء الاصطناعي والسهر على تنفيذها، بتنسيق مع القطاعات والمؤسسات المعنية، وفق المرسوم المنظم لاختصاصاتها الصادر في أكتوبر 2026.
ويخلص التحليل إلى أن نجاح التجربة المغربية لن يقاس بمجرد إحداث وزارة متخصصة أو الإعلان عن أهداف طموحة، بل بقدرة المملكة على دعم البحث العلمي وظهور شركات تكنولوجية محلية تنافسية وخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة.
ويبقى الرهان الأساسي أمام المغرب هو تحويل الذكاء الاصطناعي من توجه حكومي إلى محرك فعلي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن استفادة المقاولات والمؤسسات والمواطنين من الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.












